وإذا خرج الإمام للجهاد فإن كان قد وقع ولا يدري أن الكفاية بأي مقدار تقع من الغزاة، فعلى كل من قدر على الجهاد أن يخرج بخروجه وإن كان متطوعاً مبتدئاً فعل من يأمره بالخروج معه من المقاتلة الذين يروقهم أن يخرجوا وليس لأحد منهم أن يختلف عنه بلا عذر، وإن لم يخرج بنفسه، وأنفذ سرية، فعلى من سماهم واختارهم من الجملة التي ذكرناها أن يسمع ويطيع وليس لأحد من المجاهدين إذا اغنموا أن يستأثر بشيء من الغنيمة، ولا يأخذ إلا ما يعطيه الإمام عند القسمة، ولا يتولى عزل الخمس وتفريقه غيره، ولا قسم الأربعة الأخماس إلا هو، وليس لأحد أن يهادن العدوا ويعاقدهم الصلح على أموال يعطونها المسلمين إلا الإمام.
(فصل)
ولا يقضي أحد بين اثنين وإن حكماه ورضيا بحكمه فليس القضاء إلا للإمام ولمن ولاه، ولا يحد خالصاً لله - عز وجل - إلا بإذن الإمام، فإن حده بغير إذنه، فإن كان ذلك قتلاً أو قطع جارحة، فقد فات.
فإن كان جلداً أعاده الإمام عليه.
وهذه أبواب تتفرع، والجملة إن ما لم يلق به تسليط العامة عليه ولا تفويضه إلى ما يجب عليه من الأفراد فهو إلى السلطان، فما كان إليه فليس لأحد أن يغتاب عليه فيه والله أعلم.
ولا ينبغي لرعية السلطان أن يتحسسوا أخباره ويبتغوا عوراته، ويتطلبوا عثراته، ويستشعروا خلافه، ويبغوا الخروج عليه لأسباب والغرض به.
ولا ينبغي إذا رأى أحد من سلطانه شيئاً يكرهه أن يشتمه أو يذكره بسوء، وإن ضاق به صدراً أن يلعنه، لأنه ظل الله في الأرض، والتهيب والإجلال أليق بمحله، وزينته من الإحتقار والإذلال، ومما جاء فيه عن السلف قال: كان عبد الله بن عامر يخرج، ويخطب الناس عليه ثياب رقاق، مرجل شعره، وأبو بكرة إلى جنب المنبر، فقال أبو بلال: من ذا يراد به ألا تنظرون إلى أمير الناس وسيدهم يتشبه بالفساق ويلبس الرقاق، فسمعه أبو بكرة.
فلما صلى الأمير ودخل، قال أبو بكرة لإبنه: ادع لي أبا بلال.
فدعاه، فقال أبو بكرة: قد سمعت قولك في الأمير آنفاً، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «من أهان سلطان الله أهانه الله، ومن أكرم سلطان الله أكرمه الله» وجاء في اللعن ما معناه.
النهي.
لأنه إذا لعن لم يؤمن أن يجاب فيزداد شراً.
وفيما جرى معنى آخر، وهو أنه ربما وقع إليه الخبر فيكون منه إلى من بلغه القبيح عنه بعض ما يكره وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لا ينبغي (للمؤمن أن يذل نفسه.