ومعلوم أن لا نقمة تلحقه في هذه الشهادة.
فعلم أن الذي يؤخره عن مرتبة العدل نقصان دينه.
فمن ذهب إلى الأول قال: إن خلع الإمام نفسه عن الإمامة إلى رجل غير عدل أو مات، قيضه الناس مكانه بعد الاجتهاد والنظر واستقصاء الرأي.
فذلك ماض لا ينقص لأنهم أحسنوا الظن به لما نصبوه، فلا ينقص ذلك بالتهمة التي ليست تحتها إلا إساءة الظن، فإن إساءته رأي، كما أن إحسانه رأي.
فلا ينقص الرأي برأي مثله.
وكذلك يقول في الفاسق.
إذا شهد عند حاكم فقبله أن ذلك إذا وقع إلى حاكم آخر لم ينقضه، فإن كان الذين نصبوه أو الإمام الذي خلع نفسه لم ينظر واحد يجتهد أو القوم لم يرتابوا ولم ينظروا فيكون اجتهادهم أداهم إلى أن إحسان الظن أولى من إساءته.
وإن التهمة لا معنى لها في حط المسلمين عن أقدارهم الثابته لهم بديانتهم.
فذلك غير ماض ولا نافذ، وهو كحكم الحاكم لما لم تظهر له صحته ولا أداه إليه نظره، فلا يجوز ذلك منه.
ومن ذهب إلى المعنى الآخر قال: لا يجوز تولية غير العدل بحال.
لأنه ناقص الدين، ولا يكون إمام أهل الدين إلا كامل الدين، لأن الغرض من نصب الإمام حفظ الدين، ودفع جوانب الخلل عنه وعن أهله.
فإذا كان الإمام بنفسه ناقص الدين لما تحصل منه هذه الفائدة، وأقل ما في فريضته أن يفتدي الناس به فيما هو فيه لأنه إمامهم.
فيصير أمره سبباً لظهور الفساد وغلبة أهله، ويعود ذلك بالشين على الملة إذا نظر أهل سائر البلد إليه وإلى الذين نصبوه ورضوا بإمامته ولعل الأمر يترقى إلى أيامهم.
إن المسلمين يعلمون أنفسهم أنهم يتظلمون فيما يظهرونهم من دنياهم، غير أنهم ينسبون بها إلى نيل الشهوات وإصابة الأموال، وما بلغ من الفساد، وهذا أنجد والتحرز منه في ابتداء الأمر واجب وبالله التوفيق.
ومن قال بهذا قال في الحكم إذا مضى شهادة الفاسق أنه ينقص.
(فصل)
وكل ما قلته في تولية غير العدل، فهو في العدل إذا أولى بغيره، وصار العدل مثله لا يختلفان والله أعلم.
وإن قال قائل: أليس قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ستدركون أمراء يؤخرون الصلاة إلى غير وقتها، فإذا كان كذلك، فصلوا في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة» .
فهلا علمتم بذلك أن الفسق بجامع السلطنة، لأن إخراج الصلاة عن وقتها فسق، ولم يبطل النبي - صلى الله عليه وسلّم - الإمارة.