قيل له وبالله التوفيق: إن ذلك إن اتفق واتفاقه بعد كان الإمام من أقرب القبائل من قريش، لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن الله اصطفى كنانة من العرب واصطفى قريشاً من كنانة» فإن كان الإمام قرشياً وإلا فمن بني كنانة فإن لم يوجد فيهم فمن أقرب العرب من كنانة، ثم هكذا يرتقي من كل أقرب إلى الذي يليه في درجة العرب، حتى إذا استوفى بنوا إسماعيل، ولم يعدل إلى بني إسحاق، وإن كانوا أقرب به، لأنهما ابنا إبراهيم عليه السلام أن ينقل إسماعيل إلى مكة، فلما نقله إليها ففطن جرهم لمجاورته، وعرفه بهم.
ويقال: أنساه لسان أبيه وميزه عن سائر ولد إبراهيم، فكان ولد إسماعيل عرباً وولد إسحاق غير عرب، وإن كانا جميعاً أبناء إبراهيم.
فكان الذي يعرب بهم إسماعيل أقرب إليه وأولى به من ولد إسحاق فأشرطه في الجملة أن يكون من العرب لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لم يضعها في قريش، إلا أنهم علية العرب، فلا تزال في الأعلى ثم من يليه، ولا تخرج من العرب إلى غيرهم ما دام فيهم من يصلح لها، فإن لم يكن في جميع العرب من يصلح إليها انتقل حييئذ إلى ولد إبراهيم أقربهم من إسماعيل صلوات الله عليهم، ولن يعدم من يصلح لها من قريش أبداً، إن شاء الله.
(فصل)
وإن سأل منهم: إذا وجدوا قريشاً عالماً عدلاً، كيف يصنعون؟
قيل: الأشبه عندي - وبالله التوفيق - أنه يقدم القرشي العدل، فيتولى الناس الصلاة، فإن أشكل عليه أمر، وجاء بشيء عمل فيه برأي أهل العلم ويسعه ذلك لأنه يصلي لنفسه.
وإن أتيتم به غيره، ويجاهد بهم المشركين في الوقت الذي يراه أوعز وأصلح، وذلك من باب التدين والسياسة، فلا يمنعه من ذلك أن لا يكون فقيهاً.
فإذا لقوا المشركين أو أحرزت الغنائم ولي أمرها رجلاً من أهل العلم ليتولى منه ما أراه الله عز وجل، ويولي الحدود رجلاً من أهل العلم، والقضاء كذلك، وأخذ الصدقات وتفريقها كذلك، وكذلك كل عمل من أعمال المسلمين لا يقوم بتنفيذه إلا أهل العلم لذلك، وإن جمع الأعمال كلها لواحد فولاها إياه، جاز بعد أن يكمل لها، فيكون حاصل هذا المعقود له الإمامة، أنه إمام في الصلاة، وإمام في كل عمل يتهيأ امضاؤه بالعلم الظاهر الذي يشترك فيه العامة والخاصة.