لأنه إن كان ضعيفاً فصاحب أمره قوي ظاهر، وكذلك صاحب أمر الإمام أو النبي، وهو الله - عز وجل - قادر قاهر إن شاء ينتقم ممن يعصيه ويخالف أمره ولم يعجزه، فوجب أن لا يمتنع ثبوت الإمامة له لأجل ضعف يده، حتى لا تصح توليته ولا عزله والله أعلم.
ويقال له: أخبرنا عن الإمام المبايع له إذا لم يكن جند ولا مال ولكن كثير الأطراف مطيعون أمره، فإن سلموا إليه وسألوه أن يوليهم، فولاهم.
أيصح توليته؟ فإن قال نعم.
نقض قوله وفارق أصله.
وإن قال: لا.
قيل: ولم ذاك، وهو بهم قاهر للعامة.
فإن قال لأنه لو بدا لهم فناصبوه لم يقدر على قهرهم، وبالله التوفيق.
(فصل)
ويقال لهم في قولهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لم يول أحداً إلا بعد أن هاجر إلى المدينة وقوي أمره، بل كان الأمر بخلاف ذلك، لأنه لم يفتح له وهو بمكة إلا المدينة فولاها مصعب ابن عميرة وأنفذه إليها، فصلى بالناس الجمعة لما قدمها.
والحديث في ذلك معروف.
ويقال لهم في الحدود: أخبرونا أي حد نزل النبي - صلى الله عليه وسلّم - عند إقامته بمكة؟ فإن ذكر أنه لم يقتل المرتدين الذين ارتدوا عن الإسلام بتكذيبهم إياه في الإسراء.
قيل: أوقد رويتم أن قتل المرتدين كان مشروعاً ولن يستطيعوا أن يقولوا ذلك، كل حد ذكروه فإنهم لا يستطيعون أن يدعوا أن حداً أشرع بمكة، وإنما شرعت الحدود عن آخرها بالمدينة لأن جماعها سبعة.
أولها: الكفر، وهو القتال والقتل والأسر والإسترقاق وبغنم الأموال.
ومعلوم أن الجهاد شرع بالمدينة، وإن هذه الأحكام كلها من توابع فرض الجهاد.
وثانيها: حد القتل ومعلوم أن آيات القصاص واحكام القتل المقرونة بها في سورة البقرة وهي كلها مدنيه.
وثالثها: حد الزنا: فأول ذلك الإمساك في الثبوت والتغيير، وهما مذكوران في سورة النساء المذكورة فيها أحكام القتال وهي مدنية، وآخرها الجلد المذكور في سورة النور التي ذكر فيها الإفك وذلك بالمدينة.
ورابعها: حد السرقة.
وخامسها: حد المحاربة وقطع الطريق وهما جميعاً مذكوران في سورة المائدة وهي مدنية.
وسادسها: حد الخمر وتحريمها في سورة المائدة وهي مدنية.
وسابعها: حد القذف وهي في سورة النور، وهي مدنية كما بيناه.
فكيف يجوز أن يقال إن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لم يقم الحدود بمكة ولا حد إذ الحد ما شرع ولم يكن في ذلك الوقت شرع حد أصلاً.
(فصل)