إذن فحيثية الطاعة لله صلى الله عليه وسلم نشأت من الإيمان بالله وبالرسول. وهذه عدالة كاملة ؛ لأنه سبحانه لا يكلف واحداً أن يفعل فعلاً إلا إذا كان قد آمن به - سبحانه - مكلِّفاً ، آمن به أمراً ، أما الذي لا يؤمن به فهو لا يقول له: افعل كذا ولا تفعل كذا ، إنه سبحانه يطالبه أن يؤمن به أولاً ، فإذا ما آمن به يقول له: استمع إلى ، ولذلك تجد كل تكليف يصدر بقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} .
إن حيثية إطاعة الله وإطاعة الرسول هي: الإيمان به ، هذه هي الحيثية الإيمانية الأولى ، أما إن جال ذهنك لتدرك سر الطاعة ، فهذا موضوع آخر ، ولذلك أوضح: إياكم أن تقبلوا على أحكام الله بالبحث فيها أولا فإن اقتنعتم بها أخذتموها وإن لم تقتنعوا بها تركتموها ، لا. إن مثل هذا التصرف معناه أنك شككت في الحكم. بل عليك أن تقبل على تنفيذ أحكامه ؛ لأنه سبحانه قالها وأنت مؤمن بأنه إله حكيم. لكن هل ذلك يمنع عقلك من أن يجول ليقهم الحكمة ؟
نقول لك: أنت قد تفهم بعض الحكمة ، ولكن ليست كل الحكمة ؛ لأن كمالات حكمة الله لا تتناهى ، فقد تعرف جزءاً من الحكمة وغيرك يعرف جزءاً آخر ، ولذلك قالوا: إن الفرق بين أمر البشر للبشر ، وأمر الله للمؤمنين به شيء يسير جداً هو: أمر الله للبشر تسبقه العلة وهي أنك آمنت به ، أما أمر البشر للبشر فأنت تقول لمن يأمرك: أقنعني لماذا أفعل هذه ؟ ؛ لأن عقلك ليس أرقى من عقلي.
فأنت لا تصنع شيئا إلا إذا اقتنعت به. وتكون التجارب قد أثبتت لك أصالة رأى من تستمع له وأنه لن يغشك.