، وَفِي قَوْلِهِ «، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ» بَيَانٌ جَلِيٌّ أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا وَاجِبٍ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَوَامِرَهُ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَجِيءَ مَا يَرْفَعُ ذَلِكَ، أَوْ يُبَيِّنُ أَنَّ مُرَادَهُ النَّدْبُ، وَأَنَّ مَا لَا نَسْتَطِيعُهُ فَسَاقِطٌ عَنَّا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُغَلِّسِ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ ثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ثنا سَيْفُ بْنُ هَارُونَ الْبُرْجُمِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» ، وَهَذَا إسْنَادٌ جَيِّدٌ مَرْفُوعٌ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
[فصلٌ: مِنْ فَضْلِ الْأَئِمَّةِ]
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ فَضْلِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمَقَادِيرِهِمْ وَحُقُوقِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَأَنَّ فَضْلَهُمْ وَعِلْمَهُمْ وَنُصْحَهُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُوجِبُ قَبُولَ كُلِّ مَا قَالُوهُ، وَمَا وَقَعَ فِي فَتَاوِيهِمْ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَقَالُوا بِمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ وَالْحَقُّ فِي خِلَافِهَا لَا يُوجِبُ إطْرَاحَ أَقْوَالِهِمْ جُمْلَةً وَتَنَقُّصَهُمْ وَالْوَقِيعَةَ فِيهِمْ؛ فَهَذَانِ طَرَفَانِ جَائِرَانِ عَنْ الْقَصْدِ، وَقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُمَا، فَلَا نُؤَثِّمُ وَلَا نَعْصِمُ، وَلَا نَسْلُكُ بِهِمْ مَسْلَكَ الرَّافِضَةِ فِي عَلِيٍّ وَلَا مَسْلَكَهُمْ فِي الشَّيْخَيْنِ، بَلْ نَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ أَنْفُسَهُمْ فِيمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُؤَثِّمُونَهُمْ وَلَا يَعْصِمُونَهُمْ، وَلَا يَقْبَلُونَ كُلَّ أَقْوَالِهِمْ وَلَا يُهْدِرُونَهَا.