فقلت: عمن أخذت هذا؟ فقال: عن كتاب الله عز وجل، إن الله تعالى يقول: {فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} فهي يد كلها.
قلت له: فإن الله تعالى يقول: {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فمن أين تقطع اليد؟ قال: فخصمته.
وحُكي عن الدّراوَرْدِي أن الكوعين فرض والآباط فضيلة.
قال ابن عطية: هذا قول لا يعضده قياس ولا دليل وإنما عمم قوم لفظ اليد فأوجبوه من المنكب: وقاس قوم على الوضوء فأوجبوه من المرافق وههنا جمهور الأمة، ووقف قوم مع الحديث في الكوعين، وقِيس أيضاً على القطع إذ هو حكم شرعي وتطهير كما هذا تطهير، ووقف قوم مع حديث عمّار في الكفين. وهو قول الشّعْبي. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 5 صـ 238 - 240} . بتصرف يسير.
وقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} جعل التيمّم قاصرا على مسح الوجه واليدين، وأسقط مسح ما سواهما من أعضاء الوضوء بَلْ أعضاء الغسل، إذ ليس المقصود منه تطهيراً حسيَّا، ولا تجديد النشاط، ولكن مجرّد استحضار استكمال الحالة للصلاة، وقد ظنّ بعض الصحابة أنّ هذا تيمّم بدل عن الوضوء، وأنّ التيمّم البدل عن الغسل لا يجزئ منه إلاّ مسح سائر الجسد بالصعيد، فعلّمه النبي صلى الله عليه وسلم أن التيمّم للجنابة مثل التيمّم للوضوء، فقد ثبت في"الصحيح"عن عمّار بن ياسر، قال: كنت في سفر فأجنبت فتمعَّكْت في التَراب (أيْ تمرّغت) وصلّيت فأتيت النبي فذكرت ذلك فقال"يكفيك الوجه والكفان"وقد تقدّم آنفاً.
والباء للتأكيد مثل:"وهزّي إليك بجذع النخلة"وقول النابغة يرثي النعمان بن المنذر:
لكَ الخيرُ إن وارتْ بك الأرضُ واحدا ... وأصْبَحَ جَدُّ الناس يظْلَعَ عَاثِرا
أراد إن وارتْك الأرض مواراة الدفن.
والمعنى: فامسحوا وجوهكم وأيديكم، وقد ذُكرت هذه الباء مع الممسوح في الوضوء ومع التيمّم للدلالة على تمكّن المسح لئلا تزيد رخصةٌ على رخصة. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 141 - 142}
[لطيفة]
قال العلامة الفيروزابادي:
قوله: {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} فِي هذه السّورة وزاد فِي المائدة (منه) لأَنَّ المذكور فِي هذه بعضُ أَحكام الوضوءِ والتيمّم، فحسن الحذف؛ والمذكور فِي المائدة جميع أَحكامهما، فحسن الإِثبات والبيان. انتهى انتهى. {بصائر ذوى التمييز حـ 1 صـ 174}