وَالرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَدَعْ أُمَّتَهُ إلَى الْقِيَاسِ قَطُّ، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ وَأُسَامَةَ مَحْضَ الْقِيَاسِ فِي شَأْنِ الْحُلَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَرْسَلَ بِهِمَا إلَيْهِمَا فَلَبِسَهَا أُسَامَةُ قِيَاسًا لِلُّبْسِ عَلَى التَّمَلُّكِ وَالِانْتِفَاعِ وَالْبَيْعِ وَكِسْوَتِهَا لِغَيْرِهِ، وَرَدَّهَا عُمَرُ قِيَاسًا لِتَمَلُّكِهَا عَلَى لُبْسِهَا، فَأُسَامَةُ أَبَاحَ، وَعُمَرُ حَرَّمَ قِيَاسًا، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسَيْنِ، «وَقَالَ لِعُمَرَ: إنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا» ، «وَقَالَ لِأُسَامَةَ إنِّي لَمْ أَبْعَثْهَا إلَيْكَ لِتَلْبِسَهَا، وَلَكِنْ بَعَثْتُهَا إلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا لِنِسَائِكَ» ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِي الْحَرِيرِ بِالنَّصِّ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِهِ فَقَطْ، فَقَاسَا قِيَاسًا أَخْطَأ فِيهِ، فَأَحَدُهُمَا قَاسَ اللُّبْسَ عَلَى الْمِلْكِ، وَعُمَرُ قَاسَ التَّمَلُّكَ عَلَى اللُّبْسِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ أَنَّ مَا حَرَّمَهُ مِنْ اللُّبْسِ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَمَا أَبَاحَهُ مِنْ التَّمَلُّكِ لَا يَتَعَدَّى إلَى اللُّبْسِ، وَهَذَا عَيْنُ إبْطَالِ الْقِيَاسِ.
وَصَحَّ عَنْهُ مَا رَوَاهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» ، وَهَذَا الْخِطَابُ كَمَا يَعُمُّ أَوَّلُهُ لِلصَّحَابَةِ وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ فَهَكَذَا آخِرُهُ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَبْحَثَ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ لِيُحَرِّمَهُ أَوْ يُوجِبَهُ.