قال ناصر الدين في"الانتصاف": عقيدة أهل السنة أن الشرك غير مغفور البتة ، وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء الله أن يغفره له ، هذا مع عدم التوبة ، وأما مع التوبة فكلاهما مغفور ، والآية إنما وردت فيمن لم يتب ولم يذكر فيها توبة كما ترى ، فلذلك أطلق الله تعالى نفي مغفرة الشرك وأثبت مغفرة ما دونه مقرونة بالمشيئة ، كما ترى ، فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة أهل السنة ، وأما القدرية فإنهم يظنون التسوية بين الشرك وبين ما دونه من الكبائر ، في أن كل واحد من النوعين لا يغفر بدون التوبة ، ولا شاء الله أن يغفرهما إلا للتائبين ، فإذا عرض الزمخشريّ هذا المعتقد على هذه الآية ردته ونبت عنه ، إذ المغفرة منفية فيها عن الشرك وثابتة لما دونه مقرونة بالمشيئة فأما أن يكون المراد فيهما من لم يتب ، فلا وجه للتفضيل بينهما بتعليق المغفرة في أحدهما بالمشيئة وتعليقها بالآخر مطلقاً ، إذ هما سيّان في استحالة المغفرة ، وأما أن يكون المراد فيهما التائب قد قال في الشرك إنه .
{لاَ يَغْفِرُ} والتائب من الشرك مغفور له ، وعند ذلك أخذ الزمخشريّ يقطع أحدهما عن الآخر ، فيجعل المراد مع الشرك عدم التوبة ومع الكبائر التوبة ، حتى تنزل الآية على وفق معتقده فيحملها أمرين لا تحمل واحداً منهما:
أحدهما: إضافة التوبة إلى المشيئة وهي غير مذكورة ولا دليل عليها فيما ذكر ، وأيضاً لو كانت مرادة لكانت هي السبب الموجب للمغفرة على زعمهم عقلاً ، ولا يمكن تعلق المشيئة بخلافها على ظنهم في العقل ، فكيف يليق السكوت عن ذكر ما هو العمدة والموجب ، وذكر ما لا مدخل له على هذا المعتقد الرديء ؟
الثاني: أنه بعد تقريره التوبة احتكم فقدرها على أحد القسمين دون الآخر ، وما هذا إلا من جعل القرآن تبعاً للرأي ، نعوذ بالله من ذلك .