فصل
وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له, وقل من ينجو منه فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه, وطلب الجزاء منه, فقد أشرك في نيته وإرادته. والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته. وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم, من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام كما قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وهي ملة إبراهيم عليه السلام التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء.
فصل:
إذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك الجواب عن السؤال المذكور, فنقول, ومن الله وحده نستمد الصواب.
حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به, هذا هو التشبيه في الحقيقة, لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله الله صلى الله عليه وسلم, فعكس من نكس الله قلبه, وأعمى عين بصيرته, وأركسه بكسبه, الأمر وجعل التوحيد تشبيها, والتشبيه تعظيما وطاعة, فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء
والمنع وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده, فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق, وجعل من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا - فضلا من غيره - تشبيها لمن له الأمر كله, فأزمة الأمور كلها بيديه, ومرجعها إليه, فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, لا مانع لما أعطى, ولا معطى لما منع, بل إذ فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد, وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات, بالقادر الغني بالذات.