والطفل لا يعرف حكاية الحمل هذه ، وعندما يتنبه يجد أن والده هو الذي يأتي بكل حاجة ، وما دام أبوه هو الذي في الصورة ، فتكون الحيثية عنه موجودة ، والأم حيثيتها مغفولة ومستورة ، فكان لا بد من أن يذكرنا الله بالحيثية المتروكة عند الإنسان مكتفياً بالحيثية للأب الموجودة والواضحة عند الابن ، ولذلك تجد النبي صلى الله عليه وسلم حينما يوصيّ قال: أمك ثم أمك ثم أمك ، وبعد ذلك قال: ثم أبوك.
كما جاء في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: أمك. قال: ثم من ؟ قال: أمك قال ثم من ؟ قال: أمك. قال: ثم من ؟ قال: أبوك".
ولو حسبتها تجدها واضحة ، وأيضا فالأبوة رجولة ، والرجولة كفاح وسعي. والأمومة حنان وستر ، فهي تحتاج ألا تخرج لسؤال الناس لقضاء مصالحها ، أبوك إن خرج ليعمل فعمله شرف له. إنما خروج الأم للسعي للرزق فأمر صعب على النفس ، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} .. أو"بوالديه حسنا"إنها.. مقرونة في ثلاث آيات بعبادة الله وعدم الإشراك به ، ثم أفردهما بالإحسان في آيتين ، ويلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم قال:
{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} [لقمان: 15] .
لكن هذا لا يمنع أن تعطيهما المعروف وما يحتاجان إليه ، ونلحظ أن الحق لم يأت لهما بطلب الرحمة وهما على الشرك والكفر كما طلبها لهما في قوله:
{وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 24] .
لأنهما وإن ربيا جسد الولد فلم يربيا قلبه وإيمانه ، فلا يستحقان أن يقول: ارحمهما ؛ لأن الحق أراد أن يسع الولد والديه في الدنيا وإن كانا على الكفر.