الحق إذن يتخلى عن العبد المشرك. وليت العبد المشرك يأخذ حظه من الله كشريك.. وإنما ينعدم عنه حظ الله ؛ لأن الله غني أن يشرك معه أحدا آخر. وهكذا يكون المشرك بلا رصيد إيماني ، ويحيا في كد وتعب. ويردف الحق سبحانه وتعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين فيأتي قوله - جل شأنه -: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} والوالدان هما الأب والأم ؛ لأنهما السبب المباشر في وجودك أيها المؤمن. وما دامت عبادتك لله هي فرع وجودك ، إذن فإيجادك من أب وأم كسببين يجب أن يلفتك إلى السبب الأول ؛ إن ذلك يلفتك إلى من أوجد السلسلة إلى أن تصل إلى الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام.
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} .. انظر إلى المنزلة التي أعطاها الله للوالدين ، وهما الأب والأم. والخطاب لك أيها المسلم لتعبد الله ، والتكليف لك وأنت فرع الوجود ؛ لأن الخطاب لمكلف ، والتكليف فرع الوجود ، والوالدان هما السبب المباشر لوجودك ، فإذا صعّدت السبب فالوالدان من أين جاءا ؟.. من والدين ، وهكذا حتى تصل لله ، إذن فانتهت المسألة إلى الواحد ؛ لأن التكليف من المُكلِّف إلى المُكلَّف فرع الوجود. والوجود له سبب ظاهري هما"الوالدان"، وعندما تسلسلها تصل لله إنه - سبحانه - أمر: اعبدني ولا تشرك بي شيئا ، وبعد ذلك.. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} .. كلمة"الإحسان"تدل على المبالغة في العطاء الزائد.. الذي نسميه مقام الإحسان..
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} .. الحق سبحانه وتعالى حينما قرن الوالدين بعبادته ، لأنه إله واحد ولا نشرك به شيئا ، لم ينكر أو يتعرض لإيمانهما أو كفرهما ؛ لأن هناك آية أخرى يقول فيها:
{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان: 15] .