"وَالْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمُشْرِكُ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ: الْجَارُ الْمُسْلِمُ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ: الْجَارُ الْمُسْلِمُ لَهُ الرَّحِمُ".
وَهُمَا صِنْفَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ، وَأَبْعَدُهُ فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ مَنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعُونَ دَارًا.
وَقِيلَ: الْبَعِيدُ مَنْ يَلِيكَ بِحَائِطٍ، وَالْقَرِيبُ مَنْ يَلِيكَ بِبَابِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ: {إنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أَهْدِي؟ قَالَ: إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكَ بَابًا} .
وَحُقُوقُهُ عَشَرَةٌ يَجْمَعُهَا الْإِكْرَامُ، وَكَفُّ الْأَذَى.
وَمِنْ الْعَشَرَةِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: {لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ} .
وَقَدْ رَأَى جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَدْبًا لَا فَرْضًا، وَأَنْ يَكُونَ مَنْعُهُ مَكْرُوهًا لَا مُحَرَّمًا؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ.
وَالْحَائِطُ يَحْتَاجُهُ صَاحِبُهُ؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ نَقَصَ مَالُهُ، وَإِنْ أَعَارَهُ تَكَلَّفَ حِفْظَهُ بِالْإِشْهَادِ، وَأَضَرَّ بِنَفْسِهِ؛ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَحْتَمِلَ لَهُ ذَلِكَ فَلَهُ الْأَجْرُ، وَإِنْ أَبَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ وِزْرٌ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ: قِيلَ: إنَّهُ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ، وَاَلَّذِي قَالَ هَذَا جَعَلَ قَوْلَهُ: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} الْجَارُ الَّذِي لَهُ الرَّحِمُ.
وَقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يَجْمَعُكَ مَعَهُ رُفَاقَةُ السَّفَرِ، فَهُوَ ذِمَامٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّهُ يَلُفُّهُ مَعَهُ الْأُنْسُ وَالْأَمْنُ وَالْمَأْكَلُ وَالْمَضْجَعُ، وَبَعْضُهَا يَكْفِي لِلْحُرْمَةِ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَتْ؟. انتهى انتهى. {أحكام القرآن لابن العربي حـ 1 صـ 545 - 547} بتصرف يسير.