فهذا وإن كان على ما ذكرناه وما شاء الله من ذلك، فالفضل بعد بيد الله يؤتيه
من يشاء، وبالضرورة تعلم أن للقائم حقًا على المقام عليه، وللعائل حقًّا على
المعول، وإن الرازق أفضل من المرزوق.
وقوله جل قوله: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)
يريد؛ عابدات لربهن حافظات لغيب أزواجهن بما أمر الله به من الستر
والعفاف، وحسن الصحبة في حضوره وجميل العشرة في مرافقته، والشكر لعوله
إياها، ومجانبة جحود النعمة وكفر ما سبق منه إليها.
قال الله - جلَّ جلالُه - يخاطب أزواج النبي رضي الله عنهن:(وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ
وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ).
ثم قال جل قوله:(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ)النشوز: الارتفاع فوق القدر، وارتفاعهن هَاهُنَا
ما يردونه من الفضل على الأزواج، والحلول منه في حال العصمة حيث لم
يحللهن الله - جلَّ جلالُه - ، وتلك فاحشة منهن، وخوف النشوز هنا مباشرة أسباب ذلك
ومقارنة الحال.
وحيث ذكر الله جل ذكره الفاحشة معرفة بالألف واللام، فهو الزنى كقوله جلَّ
قوله: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) .
(أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) يريد جل ذكره عمل قوم لوط.
ومتى ذكرها جل ذكره بغير ألف ولام وظاهر ذلك غير الزنى، وإن قرن إليها
-عز وجل - صفة النبيين كقوله جل قوله: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)
وهي هَاهُنَا: ما خالف أمر اللهَ - عز وجل - لهن من ترك الاستقرار في
البيوت والأخذ بالتبرج.
كقوله جلَّ قوله: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) وهي هنا أن يغلب
الخوف عليهن، ويدخل في إيجاب إخراجهن خوف الاقتحام عليهن.
وكقوله جلَّ قوله:(وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ
بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)يريد - وهو أعلم - نشوز وعصيان لأزواجهن ومشاققة