هكذا فُهمت القوامة في عصر التنزيل .. فكانت قيادة للرجل في الأسرة، اقتضتها مؤهلاته ومسئولياته في البذل والعطاء .. وهي قيادة محكومة بالمساواة والتناصر والتكافل بين الزوج وزوجه في الحقوق والواجبات ومحكومة بالشورى التي يسهم بها الجميع ويشاركون في تدبير شئون الأسرة .. هذه الأسرة التي قامت على"الميثاق الغليظ"ميثاق الفطرة والذي تأسس على المودة والرحمة، حتى غدت المرأة فيها السكن والسكينة لزوجها حيث أفضى بعضهم إلى بعض، هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن، فهي بعض الرجل والرجل بعض منها: (بعضكم من بعض) (7) - (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (8) (هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن) (9) (وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا) .
وإذا كانت القوامة ضرورة من ضروريات النظام والتنظيم في أية وحدة من وحدات التنظيم الاجتماعى، لأن وجود القائد الذي يحسم الاختلاف والخلاف، هو مما لا يقوم النظام والانتظام إلا به.
فلقد ربط القرآن هذه الدرجة في الريادة والقيادة بالمؤهلات وبالعطاء، وليس بمجرد"الجنس"فجاء التعبير: (الرجال قوامون على النساء) وليس كل رجل قوّام على كل امرأة .. لأن إمكانات القوامة معهودة في الجملة والغالب لدى الرجال، فإذا تخلفت هذه الإمكانات عند واحد من الرجال، كان الباب مفتوحاً أمام الزوجة إذا امتلكت من هذه المقومات أكثر مما لديه لتدير دفة الاجتماع الأسرى على نحو ما هو حادث في بعض الحالات! ..
هكذا كانت القوامة في الفكر والتطبيق في عصر صدر الإسلام .. لكن الذي حدث بعد القرون الأولى وبعد الفتوحات التي أدخلت إلى المجتمع الإسلامي شعوباً لم يذهب الإسلام عاداتها الجاهلية، في النظر إلى المرأة والعلاقة بها، قد أصاب النموذج الإسلامي بتراجعات وتشوهات أشاعت تلك العادات والتقاليد الجاهلية في المجتمعات الإسلامية من جديد ..