وقوله في الرواية الأُخرى:"فعلّمها"نصّ في الأمر بالتعليم، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، ولا يُلتفت لقول من قال إن ذلك كان إكراماً للرجل بما حفظه من القرآن، أي لما حفظه، فتكون الباء بمعنى اللام؛ فإن الحديث الثاني يصرح بخلافه في قوله:"فعلّمها من القرآن"ولا حجة فيما روي عن أبي طلحة أنه خطب أُم سُليم فقالت: إنْ أسلم تزوّجته.
فأسلم فتزوّجها؛ فلا يُعلم مهر كان أكرمَ من مهرها، كان مهرها الإسلام؛ فإن ذلك خاص به.
وأيضاً فإنه لا يصل إليها منه شيء بخلاف التعليم وغيره من المنافع.
وقد زوّج شعيب عليه السلام ابنته من موسى عليه السلام على أن يَرْعَى له غنماً في صداقها؛ على ما يأتي بيانه في سورة"القصص".
وقد رُوي من حديث ابن عباس"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه:"يا فلان هل تزوّجت"؟ قال: لا، وليس معي ما أتزوّج به."
قال:"أليس معك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} "؟ قال: بلى قال:"ثلث القرآن، أليس معك آية الكرسي"؟ قال: بلى قال:"ربع القرآن، أليس معك {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ} "؟ قال: بلى قال:"ربع القرآن، أليس معك {إذَا زُلْزِلَت} "؟ قال: بلى قال:"ربع القرآن."
تزوّج تزوّج"."
قلت: وقد أخرج الدَّارَقُطْنِيّ حديث سهل من حديث ابن مسعود، وفيه زيادة تبيّن ما احتجّ به مالك وغيره، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:""من ينكِح هذه"؟ فقام ذلك الرجل فقال: أنا يا رسول الله؛ فقال:"ألك مال"؟ قال: لا، يا رسول الله؛ قال:"فهل تقرأ من القرآن شيئاً"؟."
قال: نعم، سورة البقرة، وسورة المُفَصَّل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد أنكحتُكَها على أن تُقرئها وتعلّمها وإذا رزقك الله عوّضتَها".
فتزوّجها الرجل على ذلك.
وهذا نص لو صح في أن التعليم لا يكون صداقاً.
قال الدّارَقُطْنِيّ: تفرّد به عتبة بن السّكَن وهو متروك الحديث. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 5 صـ 133 - 135} .