وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مَا رُوِيَ عَنْ السُّدِّيِّ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} إنَّمَا كَانَ حُكْمًا فِي الْبِكْرَيْنِ خَاصَّةً ، وَالْأَوْلَى فِي الثَّيِّبَاتِ دُونَ الْأَبْكَارِ.
إلَّا أَنَّ هَذَا قَوْلٌ يُوجِبُ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ ، وَذَلِكَ غَيْرُ سَائِغٍ لِأَحَدٍ مَعَ إمْكَانِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى حَقِيقَةِ مُقْتَضَاهُمَا ؛ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ تُصْرَفُ وُجُوهُ الِاحْتِمَالِ فِي حُكْمِ الْآيَتَيْنِ وَتَرْتِيبِهِمَا فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي نَسْخِ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ عَنْ الزَّانِيَيْنِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى السَّبِيلِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ السَّبِيلَ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُنَّ الْجَلْدُ لِغَيْرِ الْمُحْصَنِ وَالرَّجْمُ لِلْمُحْصَنِ"وَعَنْ قَتَادَةَ مِثْلُ ذَلِكَ."
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} :"أَوْ يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ"؛ وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَانَ عَامًّا فِي الْحَامِلِ وَالْحَائِلِ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّبِيلُ مَذْكُورًا لَهُنَّ جَمِيعًا.