«وَابْتَلُوا الْيَتامى، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا. وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ، وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً» ..
ويبدو من خلال النص الدقة في الإجراءات التي يتسلم بها اليتامى أموالهم عند الرشد. كذلك يبدو التشديد في وجوب المسارعة بتسليم أموال اليتامى إليهم، بمجرد تبين الرشد - بعد البلوغ - وتسليمها لهم كاملة سالمة، والمحافظة عليها في أثناء القيام عليها، وعدم المبادرة إلى أكلها بالإسراف قبل أن يكبر أصحابها فيتسلموها! مع الاستعفاف عن أكل شيء منها مقابل القيام عليها - إذا كان الولي غنياً - والأكل منها في أضيق الحدود - إذا كان الولي محتاجاً - ومع وجوب الإشهاد في محضر التسليم .. وختام الآية: التذكير بشهادة الله وحسابه:
«وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً» ..
كل هذا التشديد، وكل هذا البيان المفصل، وكل هذا التذكير والتحذير .. يشي بما كان سائداً في البيئة من الجور على أموال اليتامى الضعاف في المجتمع، وبما كان يحتاج إليه تغيير هذا العرف السائد من تشديد وتوكيد، ومن بيان وتفصيل، لا يدع مجالاً للتلاعب عن أي طريق ..
وهكذا كان المنهج الرباني ينسخ معالم الجاهلية في النفوس والمجتمعات، ويثبت معالم الإسلام ويمحو سمات الجاهلية في وجه المجتمع، ويثبت ملامح الإسلام. وهكذا كان يصوغ المجتمع الجديد ومشاعره وتقاليده، وشرائعه وقوانينه، في ظلال تقوى الله ورقابته، ويجعلها الضمان الأخير لتنفيذ التشريع. ولا ضمان لأي تشريع في الأرض بغير هذه التقوى وبدون هذه الرقابة: «وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً» ..