وأقيم من أجل الوصول إلى هذه الغاية ثورة ثقافية كبرى اشترك فيها آلاف الكتاب والأدباء والفنانين، ومجدوا الانحدار نحو مستنقع الرذيلة وألفت آلاف القصص وأقيمت آلاف المسرحيات والتمثيليات التي تشجع الرجال والنساء على البغاء واعتباره عملًا بطوليًا رائعًا وخاصة أولئك النساء اللاتي تبرعن بفروجهن للجنود في زمن الحرب وأقيمت لهن حفلات التكريم التي كان يحضرها رئيس الدولة كما أقيمت لهن التماثيل.
يقول الأستاذ أبو الأعلي المودودي رحمه اللَّه في كتاب الحجاب:
(وجاءت الحرب العالمية الأولى فابتدعت بدعة البغاء المتطوع علاوة على البغاء التجاري المعروف وبلغ هذا النوع المبتكر للفحشاء من عظم الشأن أن أكرمت النساء المحبات للوطن اللاتي كن خدمن الأبطال المدافعين عن أرض فرنسا وولدن من جراء تلك الخدمة أولادًا لا يعرف أباؤهم، ملقبين بلقب أمهات زمان الحرب, وأصبح تشجيعهن وأعالتهن فضيلة خلقية عند أولي الدعارة والفجور، وعنيت الجرائد اليومية الكبرى عناية بالغة باستمالة رجال الأعمال إليهن، وقامت بهذه الخدمة أكثر من غيرها الجريدتان المصورتان السيارتان فنتاسيو(Fantasio) ولا في باريزيان (La via parisenne) حتى جاء عدد واحد من هذه الأخيرة يشتمل على 199 إعلانًا عن أمرهن).
وغلفت هذه القاذورات بورق السولفان والورق المذهب وأعطيت أريج الحب ونكهته: وتحدث فرويد عن العقد النفسية الناتجة عن الكبت والحرمان، واستمر الهراء حتى بلغ فرويد أن يقول إن حب الفتى لأمه إنما هو حب جنسي بحت وحقيقته عقدة أوديب، وإن حب الفتاة لأبيها ليس إلا حبًا جنسيًا محضًا وحقيقته عقدة إليكترا.
ووجد هؤلاء المتفلسفون والمنظرون في الأساطير الإغريقية ملاذهم فكسوها ثوبًا فضفاضًا كثير البريق واللمعان تحت مسميات ضخمة حتى يوهموا العوام وأنصاف المثقفين بأن تحت ذلك الهراء السخيف علم غزير، ومجد هؤلاء الفساق ودعاة الرذيلة، وأعطيت لهم أضخم الجوائز التشجيعية ليواصلوا إفساد الأخلاق وصورت المومسات على أنهن نجوم وكواكب يهتدى بها ويقتدى بأعمالها وفعالها. . .