قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض} في سبب نزولها قولان.
أحدهما: أنها لما نزلت عِدَّة المطلَّقة ، والمتوفَّى عنها زوجُها في [البقرة 227: 232] قال أُبَيُّ بن كعب: يا رسول الله إن نساء من أهل المدينة يقلن: قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء.
قال:"وما هو؟"قال: الصغار والكبار ، وذوات الحمل ، فنزلت هذه الآية ، قاله عمرو بن سالم.
والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى: {والمطلقات يتربَّصن بأنفسهن ...} [الآية البقرة: 228] قال خلاَّد بن النعمان الأنصاري: يا رسول الله ، فما عِدَّة التي لا تحيض ، وعدَّة التي لم تحض ، وعدة الحُبلى؟ فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل.
ومعنى الآية: {إن ارتبتم} ، أي: شككتم فلم تَدْرُوا ما عِدتَّهن {فَعِدَّتُهنَّ ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} كذلك.
فصل
قال القاضي أبو يعلى: والمراد بالارتياب هاهنا: ارتياب المخاطبين في مقدار عدة الآيسة والصغيرة كما هو؟ وليس المراد به ارتياب المعتدات في اليأس من المحيض ، أو اليأس من الحمل للسبب الذي ذكر في نزول الآية.
ولأنه لو أريد بذلك النساء لتوجَّه الخطاب إليهن ، فقيل: إن ارتبتنُّ ، أو ارتبْنَ ، لأن الحيض إنما يعلم من جهتهنَّ.
وقد اختلف في المرأة إذا تأخر حيضها لا لعارض كم تجلس؟ فمذهب أصحابنا أنها تجلس غالب مدة الحمل ، وهو تسعة أشهر ، ثم ثلاثة.
والعدة: هي الثلاثة التي بعد التسعة.
فإن حاضت قبل السنة بيوم ، استأنفت ثلاث حيض ، وإن تَمَّتْ السَّنَةُ من غير حيض ، حَلَّت ، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة ، والشافعي في الجديد: تمكث أبداً حتى يعلم براءة رحمها قطعاً ، وهي أن تصير في حدّ لا يحيض مثلها ، فتعتدُّ بعد ذلك ثلاثة أشهر.
قوله تعالى: {واللائي لم يحضن} يعني: عدتهن ثلاثة أشهر أيضاً ، لأنه كلام لا يستقلُّ بنفسه ، فلا بدَّ له من ضمير ، وضميره تقدَّم ذكره مظهراً ، وهو العدَّة بالشهور.