وما بعده قد سبق بيانه [البقرة: 232] إلى قوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} فذكر أكثر المفسرين أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي ، أسر العدوُّ ابناً له ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، وشكا إليه الفاقة ، فقال: اتق الله ، واصبر ، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله ، ففعل الرجل ذلك ، فغفل العدوُّ عن ابنه ، فساق غنمهم ، وجاء بها إلى أبيه ، وهي أربعة آلاف شاة ، فنزلت هذه الآية.
وفي معناها للمفسرين خمسة أقوال.
أحدها: ومن يتق الله يُنجِه من كل كرب في الدنيا والآخرة ، قاله ابن عباس.
والثاني: بأن مَخْرَجَه: علمُه بأن ما أصابه من عطَاءٍ أو مَنْع ، من قِبَل الله ، وهو معنى قول ابن مسعود.
والثالث: ومن يتق الله ، فيطلق للسُّنَّةِ ، ويراجع للسُّنَّةِ ، يَجْعَلْ له مخرجاً ، قاله السدي.
والرابع: ومن يتَّق الله بالصبر عند المصيبة ، يجعل له مخرجاً من النار إلى الجنة ، قاله ابن السائب.
والخامس: يجعل له مخرجاً من الحرام إلى الحلال ، قاله الزجاج.
والصحيح أن هذا عام ، فإن الله تعالى يجعل للتقي مخرجاً من كل ما يضيق عليه.
ومن لا يتقي ، يقع في كل شدة.
قال الربيع بن خُثَيْم: يجعل له مخرجاً من كل ما يضيق على الناس {ويرزقْه من حيث لا يحتسب} أي: من حيث لا يأمل ، ولا يرجو.
قال الزجاج: ويجوز أن يكون: إذا اتقى الله في طلاقه ، وجرى في ذلك على السُّنَّة ، رزقه الله أهلاً بدل أهله {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} أي: مَنْ وَثِقَ به فيما نابه ، كفاه الله ما أهمّه {إن الله بالغٌ أمرَه} وروى حفص ، والمفضل عن عاصم"بالغُ أمرِه"مضاف.
والمعنى: يقضي ما يريد {قد جعل الله لكل شيء قدراً} أي: أجلاً ومنتهىً ينتهي إليه ، قدَّر الله ذلك كلَّه ، فلا يقدَّم ولا يؤخر.
قال مقاتل: قد جعل الله لكل شيء من الشدة والرخاء قدراً ، فقدَّر متى يكون هذا الغني فقيراً ، وهذا الفقير غنياً.