قِيلَ: هَذِهِ الْفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَهَا بِكُمْ وَهِيَ كَفُّ أَيْدِي أَعْدَائِكُمْ عَنْكُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا وَأَهْلُ خَيْبَرَ وَمَنْ حَوْلَهَا وَأَسَدٌ وَغَطَفَانُ، وَجُمْهُورُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ أَعْدَاءً لَهُمْ، وَهُمْ بَيْنَهُمْ كَالشَّامَةِ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِمْ بِسُوءٍ، فَمِنْ آيَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَفُّ أَيْدِي أَعْدَائِهِمْ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِمْ بِسُوءٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَشِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ، وَتَوَلِّي حِرَاسَتِهِمْ وَحِفْظِهِمْ فِي مَشْهَدِهِمْ وَمَغِيبِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ فَتْحُ خَيْبَرَ، جَعَلَهَا آيَةً لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَامَةً عَلَى مَا بَعْدَهَا مِنَ الْفُتُوحِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَعَدَهُمْ مَغَانِمَ كَثِيرَةً وَفُتُوحًا عَظِيمَةً، فَعَجَّلَ لَهُمْ فَتْحَ خَيْبَرَ وَجَعَلَهَا آيَةً لِمَا بَعْدَهَا وَجَزَاءً لِصَبْرِهِمْ وَرِضَاهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَشُكْرَانًا، وَلِهَذَا خَصَّ بِهَا وَبِغَنَائِمِهَا مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ.
ثُمَّ قَالَ: {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}
فَجَمَعَ لَهُمْ إِلَى النَّصْرِ وَالظَّفَرِ وَالْغَنَائِمِ الْهِدَايَةَ، فَجَعَلَهُمْ مَهْدِيِّينَ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ، ثُمَّ وَعَدَهُمْ مَغَانِمَ كَثِيرَةً وَفُتُوحًا أُخْرَى لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الْوَقْتَ قَادِرِينَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: هِيَ مَكَّةُ، وَقِيلَ: هِيَ فَارِسُ وَالرُّومُ.
وَقِيلَ: الْفُتُوحُ الَّتِي بَعْدَ خَيْبَرَ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبهَا.
[فَصْلٌ: فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ]
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَكَثَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا إِلَى خَيْبَرَ، وَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَهُ إِيَّاهَا وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ.
وَقَالَ مالك: كَانَ فَتْحُ خَيْبَرَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فِي السَّابِعَةِ.