وَمِنْهَا: أَنَّ رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى الْإِمَامِ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا إِلَى غَيْرِ بَلَدِ الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ إِذَا جَاءَ إِلَى بَلَدِ الْإِمَامِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِدُونِ الطَّلَبِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرُدَّ أبا بصير حِينَ جَاءَهُ، وَلَا أَكْرَهَهُ عَلَى الرُّجُوعِ، وَلَكِنْ لَمَّا جَاءُوا فِي طَلَبِهِ مَكَّنَهُمْ مِنْ أَخْذِهِ وَلَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى الرُّجُوعِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُعَاهَدِينَ إِذَا تَسَلَّمُوهُ وَتَمَكَّنُوا مِنْهُ فَقَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَضْمَنْهُ بِدِيَةٍ وَلَا قَوَدٍ، وَلَمْ يَضْمَنْهُ الْإِمَامُ، بَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ قَتْلِهِ لَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، حَيْثُ لَا حُكْمَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ أبا بصير قَتَلَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ الْمُعَاهَدَيْنِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَهِيَ مِنْ حُكْمِ الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ كَانَ قَدْ تَسَلَّمُوهُ وَفُصِلَ عَنْ يَدِ الْإِمَامِ وَحُكْمِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُعَاهَدِينَ إِذَا عَاهَدُوا الْإِمَامَ فَخَرَجَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، فَحَارَبَتْهُمْ وَغَنِمَتْ أَمْوَالَهُمْ، وَلَمْ يَتَحَيَّزُوا إِلَى الْإِمَامِ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ دَفْعُهُمْ عَنْهُمْ وَمَنْعُهُمْ مِنْهُمْ، وَسَوَاءٌ دَخَلُوا فِي عَقْدِ الْإِمَامِ وَعَهْدِهِ وَدِينِهِ أَوْ لَمْ يَدْخُلُوا، وَالْعَهْدُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ عَهْدًا بَيْنَ أبي بصير وَأَصْحَابِهِ وَبَيْنَهُمْ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ بَيْنَ بَعْضِ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ عَهْدٌ جَازَ لِمَلِكٍ آخَرَ مِنْ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْزُوَهُمْ وَيَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ، كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي نَصَارَى مَلَطْيَةَ وَسَبْيِهِمْ، مُسْتَدِلًّا بِقِصَّةِ أبي بصير مَعَ الْمُشْرِكِينَ.
[فَصْلٌ: فِي الْإِشَارَةِ إِلَى بَعْضِ الْحِكَمِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الْهُدْنَةُ]