فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ فَعَلُوا ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَمْتَثِلُوهُ حِينَ أَمَرَهُمْ بِهِ؟ قِيلَ: هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي لِأَجْلِهِ ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ أَخَّرُوا الِامْتِثَالَ طَمَعًا فِي النَّسْخِ، فَلَمَّا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنَّهُ حُكْمٌ مُسْتَقِرٌّ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَسَادُ هَذَا الظَّنِّ، وَلَكِنْ لَمَّا تَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ وَخَرَجَ وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ وَأَرَاهُمْ أَنَّهُ بَادَرَ إِلَى امْتِثَالِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ كَتَأْخِيرِهِمْ، وَأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ لَهُ وَطَاعَتَهُمْ تُوجِبُ اقْتِدَاءَهُمْ بِهِ، بَادَرُوا حِينَئِذٍ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ.
وَمِنْهَا: جَوَازُ صُلْحِ الْكُفَّارِ عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا يُرَدَّ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ، هَذَا فِي غَيْرِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ رَدِّهِنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، وَهَذَا مَوْضِعُ النَّسْخِ خَاصَّةً فِي هَذَا الْعَقْدِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَدَّ الْمَهْرِ عَلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَعَلَى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا اسْتَحَقَّ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ رَدَّ مُهُورِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ، وَفِي إِيجَابِهِ رَدَّ مَا أَعْطَى الْأَزْوَاجُ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَقَوُّمِهِ بِالْمُسَمَّى، لَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ.