وقال أبو حيان: ولما ذكر الهبة في الإناث، والهبة في الذكور، اكتفى عن ذكرها في قوله: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا} ، ولما كان العقيم ليس بمحمود قال: {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا} ، وهو قسيم لمن يولد له، وتغيير العاطف في الثالث؛ لأنه قسيم المشترك بين القسمين، ولم يحتج إليه في الرابع لإفصاحه، بأنه قسيم المشترك بين الأقسام الثلاثة، ذكره"البيضاوي"، ولما كان الخنثى مما يحزن بوجوده لم يذكره سبحانه وتعالى، قالوا: وكانت الخلقة مستمرة ذكرًا وأنثى إلى أن وقع في الجاهلية الأولى الخنثى، فسئل فارض العرب ومعمرها، عامر بن الظرب عن ميراثه، فلم يدر ما يقوله وأرجأهم، فلما جن عليه الليل، جعل يتقلب وتذهب به الأفكار، وأنكرت خادمته حاله، فسألته، فقال: بهرت لأمر لا أدري ما أقول فيه، فقالت له: ما هو، فقال شخص له ذكر وفرج، كيف يكون حاله في الميراث، قالت له الأمة: ورثه من حيث يبول، فعقلها وأصبح، فعرضها عليهم فرضوا بها، وجاء الإِسلام على ذلك، وقضى بذلك علي كرم الله وجهه.
51 - {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} ؛ أي: وما صح لفرد من أفراد البشر يا محمد {أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ} سبحانه بوجه من الوجوه، إلا بإحدى طرق ثلاث:
1 - {إِلَّا وَحْيًا} استثناء من أعم الأحوال؛ أي: ما كان له أن يكلمه الله في حال من الأحوال، إلا حالة كونه وحيًّا وإلهامًا، وإلقاء من الله تعالى في روعه وقلبه، كما أوحى إلى أم موسى، وإلى إبراهيم في ذبح ولده، وكما روى ابن حبان في"صحيحه"، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن روح القدس نفث في روعي، إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب".