ومعنى الآية: أي يخلق ما يشاء، فيرزق من يشاء البنات فحسب، ويرزق من يشاء البنين فحسب، ويعطي من يشاء الزوجين الذكر والأنثى، ويجعل من يشاء لا نسل له، وفي هذا إيماء إلى أن الملك ملكه من غير منازع ولا مشارك، يتصرف فيه كيف يشاء، ويخلق ما يشاء، فليس لأحد أن يعترض عليه، أو يدبر بحسب هواه، وتصرفه لا يكون إلا على أكمل وجه وأتم نظام، وقد قيل: ليس في الإمكان أبدع مما كان {إِنَّهُ} تعالى {عَلِيمٌ} بمن يستحق كل نوع من هذه الأنواع {قَدِيرٌ} على ما يريد أن يخلق، فيفعل ما يفعل بحكمة وعلم.
وفي"فتح الرحمن":
فَإِنْ قُلْتَ: لم قدم الإناث مع أن جهتهن التأخير، ولم عرّف الذكور دونهن؟
قلت: لأن الآية سيقت لبيان عظمة ملكه ومشيئته، وأنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاء عبيده، كما قال: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} ولما كان الإناث مما لا يختاره العباد، قدمهن في الذكر، لبيان نفوذ إرادته ومشيئته وانفراده بالأمر، ونكرهن وعرف الذكور لانحطاط رتبتهن، لئلا يظن أن التقديم كان لأحقيتهن به ثم أعطى كل جنس حقه من التقديم والتأخير، ليعلم أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، بل لمقتضى آخر فقال: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا} كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} .