وعجيب فهمه الأفضلية من الآية ، فإنها لا تدل عليه ، عبارة ولا إشارة ؛ فإنه تعالى لم يرغب في الانتصار . وإنما بين أنه مشروع لهم إذا شاءوا ، ثم بين بعده أن مشروعيته بشرط رعاية المماثلة ، ثم بين أن العفو أولى ، وهو الذي انتهى إليه الكلام ، وتم به السياق . وكذلك لا حاجة إلى حمل الانتصار على من تعدى ؛ وذلك لأن الانتصار بالمثل من فروع علم العقوبات ، والجزاء المشروعة لإقامة الحق والعدل ، ودفع الظلم عن النفس والصغار ، ورفع الأحقاد والأضغان ، وأما العفو والصفح ، فذاك من فروع علم الأخلاق ، وتهذيب النفوس ؛ لأنه من باب المسامحة بالحق وإسقاط المستحق ، رغبة في تزكية النفس وهضماً لها وحرصاً على خير الأمرين ، وأوفر الأجرين ، وكلاهما من محاسن الشريعة الحنيفية ، وتوسطها بين الاقتصاص البتة ، والعفو كلياً ؛ لأن العقل السليم يرى فيهما إفراطاً وتفريطاً ، والدين دين الفطرة ، وهي تتقاضى القصاص بالمثل ، وتراه حقاً لها بجبلتها ، والقضاء الأدبي ، والوازع الرحماني يرشدها إلى ما هو أمثل إن شاءت ، ويبرهن لها أمثليته ، مما لا يبعد إذا راجعت نفسها وثابت إلى رشدها ، أن تؤثره ولا تؤثر عليه كيف ؟ وقد دل قوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} كما قال الزمخشري ، على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة والاعتداء ، خصوصاً في حال الحرد والتهاب الحمية . فربما كان المجازى من الظالمين وهو لا يشعر .