فَقُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلِكُ ، وَلَا فَاءَ لَهُ.
قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَلِّلَهُ ، وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدِي لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وَلَيْسَ كُلَّمَا قَالَ أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ يُتْبَعُ.
فَقِيلَ لَهُ: الرَّجُلُ يَظْلِمُ الرَّجُلَ ، فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ عِنْدِي لِلْأَوَّلِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} ، وَيَقُولُ تَعَالَى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} فَلَا أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فِي حِلٍّ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لَا يُحَلِّلُهُ بِحَالٍ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ.
وَالثَّانِي: يُحَلِّلُهُ ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ.
الثَّالِثُ إنْ كَانَ مَالًا حَلَّلَهُ ، وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلْهُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَلَّا يُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، فَيَكُونَ كَالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّهِ.
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَقُّهُ ؛ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ [كَمَا يُسْقِطُ دَمَهُ وَعَرْضَهُ] .
وَوَجْهُ الثَّالِثِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا غُلِبَ عَلَى حَقِّك فَمِنْ الرِّفْقِ بِهِ أَنْ تُحَلِّلَهُ ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَمِنْ
الْحَقِّ أَلَّا تَتْرُكَهُ لِئَلَّا يَغْتَرَّ الظَّلَمَةُ ، وَيَسْتَرْسِلُوا فِي أَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَةِ.