لذلك الحق سبحانه وتعالى يُعلِّمنا بر الوالدين في موكب الرسالات كلها، ففي قصة سيدنا عيسى عليه السلام، ولأنه جاء من أم بلا أب، وقد تكون هذه المسألة مدخلاً من مداخل الشيطان على سيدنا عيسى، فيُوصيه ربه بأمه فقط:
{وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} [مريم: 32] حتى يقطع على الشيطان مدخله.
أما في قصة سيدنا يحيى عليه السلام فقال:
{وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} [مريم: 14] بوالديه يعني: أباه وأمه، ونلحظ في القصتين أن سيدنا عيسى عليه السلام هو الذي يتكلم عن أمه ويقول
{وَبَرّاً بِوَالِدَتِي .. } [مريم: 32] فهذا إقرار واعتراف منه.
أما في قصة سيدنا يحيى، فالحق سبحانه هو الذي يحكي عنه أنه كان براً بوالديه، ونصَّ على البر في قصة سيدنا يحيى، لأن السببية في والديه مفقودة، فأبوه قد بلغ من الكبر عتياً، وأمه كانت عاقراً، إذن: كيف يأتي الولد وهذا أيضاً مدخل من مداخل الشيطان على سيدنا يحيى.
إذن: فالحق سبحانه يريد للجميع أنْ يكون نظيفاً طاهراً من كل هذه الآثام، لذلك طهَّر الجوارح كلها وجعلها أداة بناء ومودة وتراحم، وبنى المجتمع على أسس قويمة تكفل لأفراده الحياة السعيدة المطمئنة، وهذا قاسم مشترك في كل ديانات السماء، وهذه الأمور هي المرادة بقوله سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً .. } [الشورى: 13] .
أما قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً .. } [المائدة: 48] فيُراد بها الشرائع والأحكام الخاصة بكل ديانة، وهذه الشرائع تختلف باختلاف المجتمعات والبيئات والداءات الموجودة والآفات المنتشرة بين القوم، فالشرائع تأتي لمعالجة الآفات في مجتمعها ولذلك تختلف من دين لآخر.
فجماعة انتشرت بينهم الرذيلة والفاحشة، وجماعة طففوا المكيال والميزان، وجماعة عبدوا الأصنام، وآخرون عبدوا الكواكب أو الملائكة. وهكذا، فلا بد إذن أنْ تختلف الشرائع في هذه الأمور الاجتماعية.
من هذا نعلم أن اعتراض المستشرقين لا محلَّ له، فلكل آية موضوعها. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...