(الباب الرابع والعشرون في أن الغرض من العبادة تطهير النفس واجتلاب صحتها)
لم يكلف الله الناس عبادته لينتفع هو تعالى بها انتفاع المولى باستعباد عبيده واستخدام خدمه فإن الله غنيٌّ عن العالمين. ولا ليؤدبهم ليزيل أنجاسهم وأمراضهم النفسية، فبذلك يمكنهم أن يحصلوا حياةً أبديةً باقيةً سرمديةً فإن من وُلد يكون ميتاً بالإضافة إلى أصحاب الدار الآخرة وفاقداً للعين التي بها يعرفهم والسمع الذي به يسمع تحاورهم واللسان الذي به يخاطبونه ويخاطبهم والعقل الذي به يعقلهم، فليس تلكم الحياة والعين والسمع ما للإنسان في الحياة الدنيا. وكيف يكون كذلك وقد نفى الله ذلك عن الكفار وجعلهم أمواتاً وصُماًّ وبُكماًّ وعُمياًّ، فإن الإنسان له قوة على تحصيل تلك الأمور في ابتداءِ أمره، وإن أهمل نفسه فأتت عنه تلك القوة فلا يمكنه بعد قبول ذلك، كالفحم إذا صار رماداً فلا يقبل بعد ذلك ناراً، فمن استمرَّ في كفره وفسقه وتمادى فيه صار أما ميتاً أو مريضاً أو أصمَّ لا يقبل الشفاء، ولذلك قال الله تعالى فيمن ثكِل هذه القوة: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} . وقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} وقال تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} . وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} . وقال تعالى في المؤمنين: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} . وقال فيهم: {أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} .
فمن استفاد الحياة والصحة والطهارة قبل أن تبطل عنه هذه القوى أعني قبول ذلك فصار حياً سميعاً بصيراً طاهراً وحصل زاداً كما أمره الله تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} .
وائتمر له تعالى بقوله: {سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} . واقتدى بالموصوفين بقوله سبحانه: {وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} .
فجديرٌ أن يفلح فيحصل هذه السعادة كما قال الله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . انتهى انتهى {تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، للراغب الأصفهاني} ...