الجواب أن يقال: إن قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} معناه: استقم أنت ومن معك من المؤمنين على الدين المستقيم من قبل أن يجيء يوم لا ينفع فيه الإيمان، فكأنه خاطب الناس بالاجتماع على الإيمان والتآلف على الإسلام قبل يوم القيامة الذي تتفرق فيه الجموع، ففريق في الجنة وفريق في السعير، {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} ، فلما كان قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} أمرا للنّاس كلهم بالاجتماع على الحق ورفض الباطل، حذّرهم من التفرق في الآخرة ومصير المطيع إلى دار الثواب والعاصي إلى دار العقاب، فكان هذا ملائما لما قبله والآية التي في سورة حم عسق جاءت بعد قوله: {أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ}
فلما قال: إن الظالمين لا وليّ لهم ينصرهم من دون الله قال عند ذكر اليوم الذي لا مرد له: {مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ} ، أي: لا معقل لكم تعتصمون به من عذاب الله، ولا
يمكنكم إنكار ما يحل بكم بدفعه عن أنفسكم بنصرة ناصر لكم، فاقتضى ما تقدم من ذكر أن لا ناصر لهم يدفع عذاب الله تعالى عنهم، سد طرق النجاة دونهم بأنه لا ملجأ لهم ولا ذابّ عنه، ومن دهمه الخطب العظيم الذي لا يطيق احتماله فلم يجد مهربا ولا ناصرا لم يبق له إلا الاستسلام، والسلام.
الآية الثالثة منها