قوله تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} وقال بعده: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} .
للسائل أن يسأل: عن مجيء: {عَلِيمٌ قَدِيرٌ} بعد ذكر الذكران والإناث من الأولاد والنعمة بهما على العباد، ومجيء: {عَلِيٌّ حَكِيمٌ} بعد ذكر الجهة التي منها يرد أمر الله لعباده بطاعته، ونهيه لهم عن معصيته، واختلاف أحوال الرسل في خطابه لهم، وأمره إياهم، وهل للصفتين الأولتين اختصاص بالآية التي ختمت بهما، وللصفتين الآخرتين اختصاص بما جاء بعده؟
الجواب أن يقال: لما نبه الله العباد على ما يشاهدون من خلقه لهم من أولادهم ذكورهم وإناثهم، وأنه يختص من يشاء بالإناث ويختص من يشاء بالذكور، أو يؤلفهم ببنات وبنين فيجمعهما للواحد، ومن أراد أن يعقم من الوالدين حتى لا يكون له نسل حرمه الولد، والناس في الأولاد لا ينفكون عن الأحوال الثلاث، قال عقيبه: {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} أي: يعلم الغيب ويطّلع على العواقب، فيفعل ما يصلح دون ما لا يصلح، وهو قادر لا قدرة كقدرته، فاختلاف الأحوال التي ذكرها هو لعلمه بما يصلح منها، وقدرته على إيجادها، فاقتضى الفعل المتقدم هذين الوصفين وأما قوله: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} فالعلي: القادر على الشيء القاهر له، وكذلك قال الشاعر:
اعمد لما تعلو فما لك بالذي ... لا تستطيع من الأمور يدان