هذا ، وقد ذكر اللّه تعالى في هذه الآيات ألست من قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) إلى هنا اثنتي عشرة خصلة متداخلة ، ولذا قلنا ستة أقسام ، لأن في كل قسم خصلتين ، وكلها من كرائم أخلاق المؤمن وأحاسن صفاته ، إرشادا لعباده للأخذ بها ، وحثا لهم على التحلي بمكارم الآداب.
قال:
وإنما الأمم الأخلاق ما صلحت فإن هم فسدت أخلاقهم فسدوا
وقائله حميد بن ثور الهلالي ، وإن أمير الشعراء السيد شوقي قال:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فانظر بين المتقدم والمتأخر تجد البون شاسعا.
هذا ، والتمسك بآداب الأنبياء تعليما للأمراء والحكام أن يتقبدوا بهم ، فيفعلوا ما أرشدوا إليه من تلك الخصال العالية ، فيكونوا أكبر شأنا من غيرهم ، وعلى الناس أن تتأسى بهم ، لأن العبد إذا عفا عن أخيه فاللّه تعالى أولى بأن يعفو عنه ، إذ لا يخلو أحد من قصور تجاه مولاه ، ومن هنا أخذت قاعدة إسقاط الحق العام تبعا للحق الشخصي.
وأعلم أن اللّه تعالى جعل عباده شطرين ، شطر أخذ بالعزيمة التي هي من العزم وهو عقد القلب على إمضاء الأمر بالصبر والمغفرة والصفح مما هو موافق لشريعة سيدنا عيسى عليه السلام ، راجع الآية 34 من سورة السجدة المارة ، وهؤلاء الذين مدحهم اللّه تعالى فيها وقليل ما هم ، وشطر أخذ بالرخصة وهي الانتصاف والمقابلة بالمثل وهذه من خصائص هذه الأمة التي جعلها اللّه سبحانه أمة وسطا وخير أمة أخرجت للناس وخير الأمور أوساطها ، ومما خصت به من السنّة مما بوافق هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلم:
أنصر أخاك ظالما أو مظلوما.
ونصر الظالم ردعه عن الظلم ، وخيرها في هذه الآية بين الأمرين الرخصة والعزيمة وندبها إلى ما هو الا حسن بقوله (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)