أذكركم الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
قوله: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) .
أي من يعمل حسنة نضاعِفْها له (1) .
(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) .
غفور للذنوب قبول للتوبة مثيب عليها.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(24)
(1) قال السَّمين:
قوله"إلاَّ المودَّةَ"فيها قولان، أحدهما: أنَّها استثناءٌ منقطعٌ؛ إذ ليسَتْ من جنسِ الأَجْرِ. والثاني: أنه متصلٌ أي: لا أسألُكم عليه أجراً إلاَّ هذا. وهو أَنْ تَوَدُّوا أهلَ قرابتي ولم يكنْ هذا أجراً في الحقيقةِ؛ لأنَّ قرابتَه قرابتُهم فكانت صلتُهم لازمةً لهم في المروءةِ، قاله الزمخشري. وقال أيضاً:"فإنْ قلت: هلاَّ قيل: إلاَّ مودةَ القُرْبَى، أو إلاَّ المودةَ للقُرْبى. قلت: جُعِلوا مكاناً للمودَّةِ ومَقَرًّا لها كقولِك: لي في آل فلان مَوَدَّة، وليست"في"صلةً للمودةِ كاللامِ إذا قلتَ: إلاَّ المودةَ للقربى، إنما هي متعلقةٌ بمحذوفٍ تَعَلُّقَ الظَرفِ به في قولك:"المالُ في الكيس"، وتقديرُه: إلاَّ المودةَ ثابتةً في القُرْبَى ومتمكنةً فيها". قلت: وأحسنُ ما سَمِعْتُ في معنى هذه الآيةِ حكايةُ الشعبيِّ قال: أَكْثَرَ الناسُ علينا في هذه الآيةِ فكتَبْنا إلى ابن عباس نسألُه عنها. فكتب: أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان أوسطَ الناسِ في قريش، ليس بطنٌ مِنْ بطونهم إلاَّ قد وَلَدَه، فقال الله تعالى: قل لا أسألُكم عليه أَجْراً إلاَّ أن تَوَدُّوني في قَرابتي منكم فارْعَوْا ما بيني وبينكم فصَدِّقوني.
وقال أبو البقاء:"وقيل: متصلٌ أي/: لا أسألكم شيئاً إلاَّ المودةَ". قلت: وفي تأويلِه متصلاً بما ذَكَر، نظرٌ لمجيئه ب"شيء"الذي هو عامٌّ، وما مِنْ استثناءٍ منقطع إلاَّ ويمكن تأويلُه بما ذَكَر، ألا ترى إلى قولِك:"ما جاءني أحدٌ إلاَّ حمارٌ"أنه يَصِحُّ: ما جاءني شيءٌ إلاَّ حماراً.
وقرأ زيد بن علي"مَوَدَّة"دون ألفٍ ولام.
قوله: {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} العامَّةُ على"نَزِدْ"بالنون للعظمة. وزيد ابن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمروٍ"يَزِدْ"بالياءِ مِنْ تحتُ أي: يَزِدِ اللَّهُ. والعامَّةُ على"حُسْناً"بالتنوين مصدراً على فُعْل نحو: شُكْر. وهو مفعولٌ به. وعبدُ الوارث عن أبي عمرو"حُسْنى"بألفِ التأنيث على وزنِ بُشْرَى ورُجْعَى وهو مفعولٌ به أيضاً. ويجوز أَنْ يكونَ صفةً ك فُضْلَى، فيكونَ وصفاً لمحذوف أي خَصْلَةً حسنى. اهـ (الدُّرُّ المصُون) .