يقول ابن عاشور: (فحصل من مجموع هذه القراءات أن الرياح تنشر السحاب وأنها تأتي من جهات مختلفة تتعاقب فيكون ذلك سبب امتلاء الأسحبة بالماء وأنها تحيي الأرض بعد موتها، وأنها تبشر الناس بهبوبها، فيدخل عليهم بها سرور. وحتى ابتدائية وهي غاية لمضمون قوله(نشرا بين يدي رحمته) ، الذي هو في معنى متقدمة، رحمتَه، أي تتقدمها مدة وتنشر أسحبتها حتى إذا أقلت سحاباً أنزلنا به الماء، فإنزال الماء هو غاية تقدم الرياح وسوقها المطر، وكانت الغاية مجزأة أجزاء فأولها مضمون قوله(أقلت
أي الرياحُ السحابَ)، ثم قوله (ثقالاً) ، ثم مضمون (سقناه) أي إلى البلد الذي أراد غيثه، ثم أن ينزل منه الماء. وكل ذلك غاية لتقدّم الرياح، لأن المفرع عن الغاية هو غاية.
أما قوله (أقلت سحاباً) فقد ذكر صاحب اللسان أنه يقال أنه أقل الشيء يقله إذا رفعه وحمله وأقل الجرة: أطاق حملها وهذا المعنى موافق لأقوال المفسرين من أنها بمعنى حملت الرياح سحاباً ثقالاً بالماء الذي صارت تحمله يقال أقل فلان الشيء واستقل به إذا طاقه وحمله وهذا موافق لما جاء به العلم الحديث من رفع الرياح السحب كما تفعل الرياح الرأسية.
أما الضمير في سقناه فعائد إلى السحاب قال الشهاب: السحاب: أسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، كتمر وتمرة. وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع. وأهل اللغة تسميه جمعاً، فلذا روعي فيه الوجهان في وصفه وضميره.
قال الثعالبي: والعرب تصف السحاب بالثقل والريح تسوق السحاب من ورائه فهو سوق حقيقة. وهذا ما جاء به العلم الحديث من أن الرياح الأفقية هي التي تسوق السحاب.
كما شبه المفسرون ما تحمله الريح من الماء وغيره بالولد التي تشتمل عليه الناقة وسوف نتناول هذا التشبيه في قوله تعالى (وأرسلنا الرياح لواقح) . لبيان دقة هذا التشبيه.