إذن: جاء القرآن على أمة لها نبوغٌ في اللغة والبيان لتكون مجالاً للتحدي، وحين تعجز أمام تحدِّي القرآن فعَجْز غيرها من باب أَوْلَى، وأيضاً فلم يجعل الله لهم تقدُّماً في شيء غير تقدمهم اللغوي والبياني؛ لأن مفتاح الدين ومعجزة الرسالة ستكون هي القرآن.
ولو كانت هذه الأمة أمةَ تقدُّم وحضارة في أيِّ مجال من المجالات غير اللغة لقالوا عن الإسلام ثورة حضارية، لا ليست أمة حضارية بل أمة أمية ورسولها أيضاً أُمِّي.
ومن هنا كانت الأمية ميْزةً وشرفاً لرسول الله، لكنها ليستْ شرفاً فينا نحن لأنَّ أمية رسول الله تعني أنه لم تدخل عليه معلومة من البشر، وإنما كلّ معلوماته من الله، فمَنْ إذن ربَّاهُ، ومَنْ أدَّبه، ومَنْ علّمه؟ الله.
فإذا كانت الأمة أُميّة، ورسولها أمياً، فهذا دليلٌ على أن كلَّ منافذ الخير في هذه الأمة ليستْ من عند البشر.
وأيضاً تميزتْ هذه الأمة بأنها أمة ليس لها وطن، فالعربي موطنه خيمته يضعها حيث وُجد الماء والعشب ويحملها على بعيره إلى أيِّ مكان آخر حين يجفّ الماء أو ينتهي الكلأ، ليس له وطن ولا بناء يعزّ عليه أن يفارقه، فبيته على ظهر جمله، لذلك قال تعالى:
{مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ..} [النحل 80] .
شيء آخر، وهو الأهمّ أن العرب كانوا دائماً في محلِّ قتال، وتظل الحربُ دائرةً بين القبائل إلى أربعين سنة، هذه الحروب جعلتهم كلهم أهل خبرة في فنون الحروب والقتال؛ لذلك ساعة احتاج رسولُ الله إلى جنود لنشر دعوته لم يُدرِّب أحداً على القتال، إنما وجد جنوداً جاهزين على أُهْبة الاستعداد للقتال، لذلك لم يكُنْ هناك مدارس حربية ولا معسكرات للتدريب.
فإذا أخذنا في الاعتبار أن العربي لم يكُنْ له وطن يرتبط به، وأنه ذو قدرة وكفاءة في فنون القتال، علماً أنه من السهل تكوين الجيش، ومن السهل إرسال جماعة هنا وجماعة هناك يحملون راية الإسلام، وقد أرسلهم رسول الله بالفعل إلى فارس وإلى الروم وإلى الحبشة .. إلخ فسَهُلَ ذلك عليهم.