يَعْنِي لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ فِي النَّارِ دَارُ الْخُلْدِ يَعْنِي دَارُ الْمَكْثِ وَالْلَبْثِ، إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا أَمَدٍ؛ وَالدَّارُ الَّتِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهَا لَهُمْ فِي النَّارِ هِيَ النَّارُ، وَحَسُنَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَمَا يُقَالُ: لَكَ مِنْ بَلْدَتِكَ دَارٌ صَالِحَةٌ، وَمِنَ الْكُوفَةِ دَارٌ كَرِيمَةٌ، وَالدَّارُ: هِيَ الْكُوفَةُ وَالْبَلْدَةُ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ،
وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارَ دَارَ الْخُلْدِ» فَفِي ذَلِكَ تَصْحِيحُ مَا قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَرْجَمَ بِالدَّارِ عَنِ النَّارِ
وَقَوْلُهُ: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}
يَقُولُ: فَعَلْنَا هَذَا الَّذِي فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ مِنْ مُجَازَاتِنَا إِيَّاهُمُ النَّارَ عَلَى فِعْلِهِمْ جَزَاءً مِنَّا بِجُحُودِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِآيَاتِنَا الَّتِي احْتَجَجْنَا بِهَا عَلَيْهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَمَا أُدْخِلُوا جَهَنَّمَ: يَا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنْ خَلْقِكَ مِنْ جِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي هُوَ مِنَ الْجِنِّ إِبْلِيسُ، وَالَّذِي هُوَ مِنَ الْإِنْسِ ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ.
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"إِنَّهُمَا ابْنُ آدَمَ الْقَاتِلُ، وَإِبْلِيسُ الْأَبَالِسَةِ."
فَأَمَّا ابْنُ آدَمَ فَيَدْعُو بِهِ كُلُّ صَاحِبِ كَبِيرَةٍ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أَجْلِ الدَّعْوَةِ، وَأَمَّا إِبْلِيسُ فَيَدْعُو بِهِ كُلُّ صَاحِبِ شِرْكٍ، يَدْعُوَانِهِمَا فِي النَّارِ"."
وَقَوْلُهُ {نَجْعَلُهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ}