ومن تتمات ما تقدم - أيضًا - أن التقرب إلى الله تعالى بالخير لا ينبغي أن يكون على سبيل النذر والتحريج عن النفس؛ فإنه قد يفضي إلى الضيق وعدم الوفاء، وقد ذمَّ الله تعالى من ابتدع الرهبانية من أمة عيسى عليه السلام وما رعوها حق رعايتها.
ولذلك جزم النووي في"المجموع"بأن النذر مكروه؛ أي: وإن كان يُصَيِّرُ التطوع فريضة فيعظم به الثواب، ونقله عن نص الشافعي في البويطي لصحة النهي عنه في"صحيح مسلم"وغيره عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن النذر، وقال:"إِنه لا يَأتِي بِخَيْر، وَإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن البَخِيْل".
وقوله:"لا يأتي بخير"يحتمل وجهين:
الأول: أنَّ النذر لا يأتي بخير لم يقدره الله تعالى؛ إذ لا يأتي بالخير حقيقةً إلا الله كما تدل عليه الرواية الأخرى:"النَّذْرُ لا يُقَدمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيْلِ"، وهو في"البخاري"بنحو هذا اللفظ.
والثاني: أن يكون معناه التنفير عن النذر، وأنه قد يكون سبباً لسوء العبد وشره من حيث إنه إذا التزم الطاعة التي لم تُفرض عليه بالنذر، فلم يأتِ بها عصى كما يعصي بترك الفريضة، وقد كان لو تركها قبل النذر لم يعص.
ويشبه أن يكون قوله - صلى الله عليه وسلم - في النذر:"إِنَّهُ لا يَأتِي بَخَيْرٍ"على الضد من قوله - صلى الله عليه وسلم -."الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ"، وهو في"الصحيحين"من حديث عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ - رضي الله عنهما -.
وفي رواية لمسلم:"الْحَيَاءُ خَيْر كُلُّهُ".
وفي معناه قول الشاعر: من الوافر
فَلا وَاللهِ ما فِيْ الْعَيْشِ خَيرٌ ... وَلا الدُّنْيا إِذا ذَهَبَ الْحَياءُ
ولا يَرِدُ عليه أن الحياء قد يمنع من طلب العلم، ولذلك قيل: لا ينال العلم مُستحي.
وقد يمنع الحياء من طلب الخير الذي لا يأذن الشارع في تركه لأنا نقول: إنَّ هذا ليس من الحياء، بل هو من باب الجبن وإن سُمي حياءً