مس الشيطان ذلك المؤمن حتى ارتد منزلة مسه لنفسه ، لأن المؤمن الخير يتألم برجوع المؤمن الخير إلى الكفر ؛ ولذلك جاء بعده: {اركض برجلك} ، حتى يغتسل ويذهب عنه البلاء ، فلا يرتد أحد من المؤمنين بسبب طول بلائه ، وتسويل الشيطان أنه تعالى لا يبتلي الأنبياء.
وقيل: أشار بقوله: {مسني الشيطان} إلى تعريضه لامرأته ، وطلبه أن تشرك بالله ، وكأنه بتشكي هذا الأمر كان عليه أشدّ من مرضه.
وقرأ الجمهور: {بنصب} ، بضم النون وسكون الصاد ، قيل: جمع نصب ، كوثن ووثن ؛ وأبو جعفر ، وشيبة ، وأبو عمارة عن حفص ، والجعفي عن أبي بكر ، وأبو معاذ عن نافع: بضمتين ، وزيد بن علي ، والحسن ، والسدّي ؛ وابن عبلة ، ويعقوب ، والجحدري: بفتحتين ؛ وأبو حيوة ، ويعقوب في رواية ، وهبيرة عن حفص: بفتح النون وسكون الصاد.
وقال الزمخشري: النصب والنصب ، كالرشد والرشد ، والنصب على أصل المصدر ، والنصب تثقيل نصب ، والمعنى واحد ، وهو التعب والمشقة.
والعذاب: الألم ، يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب. انتهى.
وقال ابن عطية: وقد ذكر هذه القراءات ، وذلك كل بمعنى واحد معناه المشقة ، وكثيراً ما يستعمل النصب في مشقة الإعياء.
وفرق بعض الناس بين هذه الألفاظ ، والصواب أنها لغات بمعنى من قولهم: أنصبني الأمر ، إذا شق عليّ انتهى.
وقال السدّي: بنصب في الجسد وعذاب في المال ، وفي الكلام حذف تقديره: فاستجبنا له وقلنا: {اركض برجلك} ، فركض ، فنبعت عين ، فقلنا له: {هذا مغتسل بارد وشراب} فيه شقاؤك ، فاغتسل فبرأ ، {ووهبنا له} ، ويدل على هذه المحذوفات معنى الكلام وسياقه.
وتقدم الكلام في الركض في سورة الأنبياء.
وعن قتادة والحسن ومقاتل: كان ذلك بأرض الجابية من الشأم.
ومعنى {هذا مغتسل} : أي ما يغتسل به ، {وشراب} ، أي ما تشربه ، فباغتسالك يبرأ ظاهرك ، وبشربك يبرأ باطنك.