ويقال: فلان رقيق الجود ودخيله، وزميل الكرم ونزيله، وغرّة الدهر وتحجيله، مواهبه الأنواء، وصدره الدهناء. عونه موقوف على اللهيف، وغوثه مبذول للضعيف، يطفو جوده على موجوده، وهمته على قدرته، ينابيع الجود تتفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله. إن طلبت كريما في جوده متّ قبل وجوده، أو ماجدا في أخلاقه متّ ولم تلاقه، باسل تعود الأقدام حيث تزل الأقدام، وشجاع يرى الإحجام عارا لا تمحوه الأيام، له خلق لو مازح البحر لنفى ملوحته. وصفّى كدورته. خلق كنسيم الأشجار على صفحات الأنهار، وأطيب من زمن الورد في الأيام، وأبهج من نور البدر في الظلام، خلق يجمع الأهواء المتفرقة على محبته ويؤلف الآراء المتشتتة في مودته، هو ملح الأرض إذا فسدت وعمارة الدنيا إذا خربت، يحل دقائق الأشكال، ويزيل جلائل الإشكال. البيان أصغر صفاته والبلاغة عنوان خطراته، كأنما أوحي التوفيق إلى صدره وحبس الصواب بين طبعه وفكره، فهو يبعث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الألفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره، والمعاني تتغاير في الامتثال لأوامره، يوجز فلا يخل ويطنب فلا يمل، كلامه يشتد مرة حتى تقول الصخر أو أيبس ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، فهو إذا أنشا وشّى وإذا عبّر جبّر، وإذا أوجز أعجز، تاهت به الأيام وباهت في يمينه الأقلام، له أدب لو تصور شخصا لكان بالقلوب مختصا.
قال الشاعر:
له خلق على الأيام يصفو ... كما تصفو على الزمن العقار
وقال آخر:
لو كان يحوي الروض ناضر خلقه ... ما كان يذبل نوره بشتائه
أو قابل الأفلاك طالع سعده ... ما صار نحس في نجوم سمائه
وقال آخر:
ووجهك بدر في الغياهب مشرق ... وكفّك في شهب السنين غمام
عجيب لبدر لا يزال أمامه ... سحاب ولا يغشاه منه ظلام
وأعجب من هذا غمام إذا سطا ... تلظّى مكان البرق منه حسام
وقال الحسين بن مطير الأسدي:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفّه النّدى ... ويمطر يوم البؤس من كفّه الدم
فلو أنّ يوم البؤس خلّى عقابه ... على الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أنّ يوم الجود خلّى يمينه ... عن المال لم يصبح على الأرض معدم
وللشيخ جمال الدين بن نباتة:
والله ما عجبي لقدرك إنه ... قدر على باغي مداه بعيد
إلّا لكونك لست تشكو وحشة ... في هذه الدنيا وأنت وحيد
ولصفي الدين الحلّي:
أثني فتثنيني صفاتك مظهرا ... عيّا وكم أعيت صفاتك خاطبا