قيل: كانت مائة فرس، وقيل: ألفا، وقيل: كانت عشرين ألفًا، وقيل: كانت عشرين فرسًا، وقيل: إنها خرجت له من البحر، وكانت لها أجنحة. روي: أن سليمان عليه السلام، غزا أهل دمشق ونصيبين، وهي قاعدة ديار ربيعة، فأصاب ألف فرس عربي، أو أصابها أبوه من العمالقة، فاستخلف عنه فيها؛ لأنها من مال المصالح، وعلى كل تقدير قعد سليمان يومًا، بعدما صلى الظهر على كرسيه، وكان يريد جهادًا، فاستعرض تلك الأفراس؛ أي: طلب عرضها عليه، فلم تزل تعرض عليه، وهو ينظر إليها، ويتعجب من حسنها حتى غربت الشمس، وغفل عن صلاة العصر، وكانت فرضًا عليه، كما في «كشف الأسرار» ، وعن ورد: كان له وقتئذ من الذكر، وتهيبه قومه فلم يعلموه، فاغتم لما فاته بسبب السهو والنسيان، فاستردها، فعقرها تقربا إلى الله، وطلبا لمرضاته على أن يكون العقر قربة في تلك الشريعة، ولذا لم ينكر عليه، أو مباحا في ذلك اليوم، وإنما أراد بذلك: الاستهانة بمال الدنيا، لمكان فريضة الله، كما قاله أبو الليث. فلم يكن من قبيل تعذيب الحيوان، فلما عقرها لله تعالى، أبدله الله خيرًا منها، وأسرع. وهي الريح تجري بأمره حيث شاء.
32 - {فَقالَ} سليمان: {إِنِّي أَحْبَبْتُ} ؛ أي: آثرت {حُبَّ الْخَيْرِ} ؛ أي: حب الخيل {عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} ؛ أي: على ذكر ربي يعني: صلاة العصر، قاله عليه السلام عند غروب الشمس اعترافًا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة، وندمًا عليه، وتمهيدًا لما يعقبه من الأمر بردها وعقرها، والتعقيب بالفاء باعتبار أواخر العرض المستمر دون ابتدائه، والتأكيد للدلالة على أن اعترافه وندمه عن صميم القلب، لا لتحقيق مضمون الخبر، وأصل {أَحْبَبْتُ} أن يُعدى بعلى؛ لأنه بمعنى: آثرت، كما في قوله تعالى: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى} ، وكل من أحب شيئًا فقد آثره، لكن لما أنيب مناب أنبت، وضمن معناه، عدى تعديته بعن، و {حُبَّ الْخَيْرِ} مفعوله؛ أي: مفعول به لأنبت المضمن، والذي أنيب مناب الذكر، هو الاطلاع على أحوال الخيل، لا حب الخيل، إلا أنه عدّي الفعل إلى حب الخيل، للدلالة على غاية محبته لها، والخير: المال الكثير، والمراد به: الخيل التي شغلته عليه السلام.