وَقَوْلُهُ: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ: فَلُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى فَاتَتْهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} أَيْ أَحْبَبْتُ حُبًّا لِلْخَيْرٍ، ثُمَّ أُضِيفَ الْحَبُّ إِلَى الْخَيْرِ، وَعُنِيَ بِالْخَيْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْخَيْلُ؛ وَالْعَرَبُ فِيمَا بَلَغَنِي تُسَمِّي الْخَيْلَ الْخَيْرَ، وَالْمَالُ أَيْضًا يُسَمُّونَهُ الْخَيْرَ.
عَنْ قَتَادَةَ، {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} «أَيِ الْمَالِ وَالْخَيْلِ، أَوِ الْخَيْرِ مِنَ الْمَالِ»
وَقَوْلُهُ: {عَنْ ذِكْرِ رَبِّي}
يَقُولُ: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ حَتَّى سَهَوْتُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي وَأَدَاءِ فَرِيضَتِهِ. [1]
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ صَلَاةَ الْعَصْرِ
وَقَوْلُهُ: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}
يَقُولُ: حَتَّى تَوَارَتِ الشَّمْسُ بِالْحِجَابِ، يَعْنِي: تَغَيَّبَتْ فِي مَغِيبِهَا.
وَقَوْلُهُ: {رُدُّوهَا عَلَيَّ}
يَقُولُ: رُدُّوا عَلَيَّ الْخَيْلَ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيَّ، فَشَغَلَتْنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَكُرُّوهَا عَلَيَّ.
وَقَوْلُهُ: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ}
يَقُولُ: فَجَعَلَ يَمْسَحُ مِنْهَا السُّوقَ، وَهِيَ جَمْعُ السَّاقِ، وَالْأَعْنَاقَ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى مَسَحَ سُلَيْمَانُ بِسُوقِ هَذِهِ الْخَيْلِ الْجِيَادِ وَأَعْنَاقِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَقَرَهَا وَضَرَبَ أَعْنَاقَهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَسَحَ عَلَاوَتَهُ: إِذَا ضَرَبَ عُنُقَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَهَا وَعَرَاقِيبَهَا بِيَدِهِ حُبًّا لَهَا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا: حُبًّا لَهَا"
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، لِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ، وَيُهْلِكَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صَلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَلَا ذَنْبَ لَهَا بِاشْتِغَالِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا.
[1] تقدم الرد على ذلك مفصلا.