ثم أضرب سبحانه إضرابًا آخر، وانتقل عن الأول إلى ما هو أوضح استحالة منه، فقال: {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ؛ أي: بل أنجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين، والمنافقين، والمنهمكين في معاصي الله سبحانه، من المسلمين؛ أي: لا نجعلهم مثلهم. وقيل: إن الفجار هنا خاص بالكافرين. وقيل: المراد بالمتقين: الصحابة. ولا وجه للتخصيص بغير مخصص، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقال ابن عباس: الآية عامة في جميع المسلمين والكافرين. وقيل: في جماعة من المؤمنين والكافرين معينين بارزوا يوم بدر عليا، وحمزة، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، وعتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، ووصف كلا بما ناسبه. اهـ من «البحر» .
أي: كما لا نجعل أهل الإيمان والعمل الصالح، الذين هم مظاهر صفات لطفنا وجمالنا، كالمفسدين الذين هم مظاهر صفات قهرنا وجلالنا، كذلك لا نجعل أهل التقوى كالفجار، والفجور: شق سر الديانة، أنكر التسوية أولًا بين أهل الإيمان والشرك، ثم بين أهل التقوى والهوى يعني: من المؤمنين، وهو المناسب لمقام التهديد، والوعيد كي يخاف من الله تعالى، كل صنف بحسب مرتبته، ويجوز أن يكون تكرير الإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين، يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم.
واعلم: أن الله تعالى، سوّى بين الفريقين في التمتع بالحياة الدنيا، بل الكفار أوفر حظا من المؤمنين؛ لأن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، لكن الله جعل الدار الآخرة، للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا، وهم المؤمنون المخلصون، المنقادون لله ولأمره، وإنما لم يجازه في هذه الدار، لسعة رحمته، وضيق هذه الدار، فلذا أخر الجزاء إلى الدار الآخرة، فإذا ترقى الإنسان من الهوى إلى الهدى، ومن الفجور إلى التقوى .. أخذ الأجر بالكيل الأوفى.