وحاصل معنى قوله: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ...} إلخ؛ أي: وإن كثيرًا ممن يتعاملون معًا، يجور بعضهم على بعض حين التعامل كما قال المتنبي:
والظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوْسِ فَإِنْ تَجِدْ ... ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لَا يَظْلِمُ
إلا من يخافون ربهم، ويؤمنون به، ويعملون صالح الأعمال. فإن نفوسهم تعزف عن الظلم، وترعوي خشيةً من خالقها، وما أقل هؤلاء عددًا، وأندرهم وجودًا، كما قال: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} .
ثم ذكر أن داود، كان قد ظن أنهما قد جاءا للاغتيال، ثم تبين له غير ما كان قد ظن. فقال: {وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} ؛ أي: وظن أن دخولهما عليه في ذلك الوقت، ومن تلك الجهة ابتلاء من الله تعالى، لأجل أن يغتالوه، فلم يقع ما كان قد ظنه، فاستغفر ربه من ذلك الظن، إذ لم يقع ما كان قد ظنه. {وَخَرَّ} ؛ أي: سقط داود حال كونه {راكِعًا} ؛ أي: ساجدًا على تسمية السجود ركوعًا؛ لأنه مبدؤه، لأنه لا يكون ساجدًا حتى يركع، وفي كل من الركوع والسجود التحني والخضوع، وبه استشهد أبو حنيفة، وأصحابه في سجدة التلاوة، على أن الركوع يقوم مقام السجود، أو المعنى: خر للسجود راكعًا؛ أي: مصليًا إطلاقًا للجزء وإرادة للكل، كأنه أحرم بركعتي الاستغفار. والدليل على الأول؛ أي: على أن الركوع هاهنا بمعنى السجود، ما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كان يقول في سجدة ص وسجدة الشكر: «اللهم اكتب لي عندك بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود سجدته» وقيل: بل كان ركوعهم سجودًا. وقيل: بل كان سجودهم ركوعًا.
{وَأَنابَ} ؛ أي: ورجع داود إلى ربه؛ أي: رجوع بالتوبة من جميع المخالفات، التي هي الزلات، وما كان من قبيل ترك الأولى والأفضل. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في ص، وقال: «سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا» .