أحدهما: أنه لو لم يكن بعث يحصل إنشاؤه إياهم للفناء خاصة، وإنشاء الشيء وبناؤه للفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل سفه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا...) إلى آخر الآية، صير خلقه إياهم إذا لم يكن رجوع إليه عبثاً؛ لذلك كان ما ذكرنا.
والثاني: أنه لو لم يكن بعث، لكان خلقهم غير حكمة؛ لأنه قد جمعهم جميعًا في نعيم هذه الدنيا ولذاتها: الولي، والعدو، وفي الحكمة التفريق والتمييز بينهما، فلو لم يكن دار أخرى ليفرق بينهما، لكان في خلقهم غير حكيم، وعندهم جميعًا أنه حكيم.
ثم يقول قتادة في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) إلى قوله: (بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) يقول: لم يذكر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - من شأن داود - عليه السلام - ما ذكر إلا أن يكون داود قضى نحبه من الدنيا على طاعة اللَّه والعمل له والعدل فيما ولاه الله عَزَّ وَجَلَّ، ولكن اللَّه تعالى وعظ نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين موعظة بليغة شافية، ليعلم من ولي من هذا الحكم شيئاً أنه ليس بين اللَّه وبين العباد سبب يعطيهم خيرًا ولا يدفع عنهم به شرًّا إلا بطاعة اللَّه والعمل بما يرضى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) .
أي: جعلنا لك الخلافة فيمن ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ(28)