اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أردفه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: {وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ} في قوله: {مِنْهُمْ} وجهان الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساو لنا في الخلفة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة ، فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي والدرجات الرفيعة والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهالتهم ، وذلك لأنه جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة ، والتنفير عن الدنيا ، ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً من الكذب والتهمة ؛ وكل ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ، ثم إن هؤلاء الأقوام لحماقتهم يتعجبون من قوله ، ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [المؤمنون: 69] فقال: {وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ} ومعناه أن محمداً كان من رهطهم وعشيرتهم وكان مساوياً لهم في الأسباب الدنيوية فاستنكفوا من الدخول تحت طاعته ومن الانقياد لتكاليفه ، وعجبوا أن يختص هو من بينهم برسالة الله وأن يتميز عنهم بهذه الخاصية الشريفة ، وبالجملة فما كان لهذا التعجب سبب إلا الحسد.