أولًا: التفريط: ويكون إما بفقد قوة الغضب بالكلية أو بضعفها، وحينئذ يقال للإنسان: إنه لا حمية له، ويذم جدًّا، ولذلك قال الشافعي - رحمه الله - من استغضب فلم يغضب فهو حمار، وهذا يثمر ثمرات مرة كقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للحرم والزوجة والأمة واحتمال الذل من الأخساء وصغر النفس.
ثانيًا: الإفراط: ويكون بغلبة هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكرة ولا اختيار، بل يصير في صورة المضطر، وسبب غلبته أمور غريزية وأمور اعتيادية: فرب إنسان هو بالفطرة مستعد لسرعة الغضب حتى كأن صورته في الفطرة صورة غضبان، ويعين على ذلك حرارة مزاج
القلب، وأما الأسباب الاعتيادية: فهو أن يخالط قومًا يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية.
ثالثًا: الاعتدال: وهو المحمود وذلك بأن ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده وهو الوسط، فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه، ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور، واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سَوْرة الغضب، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين؛ وهذا هو الصراط المستقيم وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف؛ فإن عجز عنه فليطلب القرب منه.
ومن الغضب ما يكون محمود، وذلك إذا صدر الغضب من الله - عز وجل - ومن ذلك غضبه تعالى على أعدائه من اليهود، ومن كان على شاكلتهم من الكفار والمنافقين والطغاة والمتجبرين، قال تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] ، وقوله تعالى: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} ، وقال: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 61] ، كما يكون الغضب محمودًا إذا كان لله - عز وجل - عندما تنتهك حرماته، وقد أثبت القرآن ذلك للرسل الكرام في مواضع عديدة، قال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [الأعراف: 150] .