الثالث: قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} بسبب مرض شديد ألقاه الله عليه، {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ} منه {جَسَدًا} وذلك لشدة المرض، والعرب تقول في الضعيف: إنه لحم على وضم وجسم بلا روح، {ثُمَّ أَنَابَ} أي: رجع إلى حال الصحة، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه، ولا حاجة البتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة.
الرابع: أقول لا يبعد أيضًا أن يقال: إنه ابتلاه الله تعالى بتسليط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي، ثم إنه أزال الله عنه ذلك الخوف، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب.
وقال الآلوسي: أظهر ما قيل في فتنته - عليه السلام - أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة، وجاءت بشق رجل، وقد روى ذلك الشيخان وغيرُهما عن أبي هريرة مرفوعًا وفيه:"فوالذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا فرسانًا". لكن الذي في"صحيح البخاري"أربعين بدل سبعين، وأن الملك قال له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، وغايته ترك الأولى فليس بذنب، وإن عده هو - عليه السلام - ذنبًا، فالمراد بالجسد ذلك الشق الذي ولد له.
قال الشنقيطي: أخرج الشيخان في صحيحهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"قال سليمان بن داود - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - (وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة) تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله"، فقيل له - وفي رواية قال له الملك:"إن شاء الله"فلم يقل، فطاف بهن فلم تلد
منهم إلا امرأة واحدة نصف إنسان. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا لحاجته"، وفي رواية:"ولقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعون".