ثم قال تعالى: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} يعني من الأمم الماضية كعاد وثمود كذبت رسلها ، ولم يبلغوا هؤلاء معشار ما أوتي إليك من القوة والبطش والنعم أي عشر ذلك.
وقيل عشر عشر ذلك.
والمِعْشَارُ قيل هو عشر العشر جزء من مائة.
أي: لم يبلغ قومك يا محمد في القوة والبطش والأموال عشر عشر من كان قبلهم ، فقد أهلك من كان قبلهم بكفرهم ، فكيف تكون حال هؤلاء الذين هم أقل قوة وبطشاً من أولئك . وهذا كله تهديد ووعيد وتنبيه لقريش ، فالمعنى: فلم ينفع
أولئك ذلك وأهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم الرسل.
فإذا كان أولئك الأمم على ما فضلهم الله به من القوة والبطش والأموال والدنيا قد أهلكوا لما كذبوا الرسل ، فكيف تكون حال هؤلاء على ضعفهم وقلة أموالهم وَوَهَنِهِمْ إذا كذبوا الرسل.
وقوله: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: كيف كان إنكاري لهم بالهلاك والاستئصال.
ثم قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك: إنما أعظكم بواحدة.
قال مجاهد:"بواحدة"بطاعة الله.
وروى ليث عنه"بواحدة": بلا إله إلا الله.
وقيل: المعنى: إنما أعظكم بخصلة واحدة ، وهي:"أن تقوموا لله مثنى وفرادى"أي: اثنين اثنين وواحداً واحداً ، فأن بدل من واحدة ، وهو قول قتادة واختيار الطبري .
قال قتادة: الواحدة التي أعظكم بها أن تقوموا لله.
وقيل:"أنْ"في موضع رفع على معنى: وتلك الواحدة أن تقوموا لله بالنصيحة وترك الهوى اثنين اثنين وواحداً واحداً ، أي: يقوم الرجل منكم مع صاحبه ، ويقوم الرجل وحده فيتصادقوا في المناظرة فيقولوا: هل علمتم بمحمد صلى الله عليه جنوناً قط ؟ [هل علمتموه ساحراً قط ؟] ، هل علمتموه كاذباً قط ؟
وقيل:"مثنى"، أي: يقوم كل واحدة مع صاحبه فيعتبرا هل علما بمحمد جنوناً أو سحراً أو كذباً ؟ .