الأنبياء 110. ووجه اعتراضهم إذا كان الله تعالى يمتنُّ علينا بعلم ما نكتم، فما الميزة في علم الجهر، وكلنا يعلم الجهر؟ ونقول الخطاب هنا للجماعة، فالحق سبحانه يعلم ما تكتمون جميعاً وما تعلنون، إنِ اختلطت أصواتكم وتداخلت فهو يعلمها، ويرد كلَّ صوتٍ إلى صاحبه، وعِلْم الجهر المختلط أعظم من علم المكتوم لأن المكتوم يمكن أنْ تكونَ له أمارات تدل عليه، أمّا علم الجهر المختلط، فيصعب أنْ تُميِّز بعضه من بعض. كذلك إنْ كانوا مثنى مثنى، فالاثنان كما نقول الرأي والرأي الآخر، ولو انهزم أحدهما أمام الآخر فهزيمته مستورة لذلك دائماً ما نسمع من يقول لخصمه أريد أن أجلس أنا وأنت على انفراد؟ لأنكما طرفا المسألة ولا يوجد طرف ثالث يُسبِّب لواحد منكما إحراجاً، أو إذلالاً، يتسبب في تغيُّر مسلكك أمامه.
ومعنى {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ} سبأ 46 ليس القيام الذي يقابله القعود، إنما مَنْ قام بالأمر يعني فعله وأدَّاه، وإنْ كان قاعداً، ومن ذلك نقول فلان يقوم بأمر فلان، أو فلان يؤدي وظيفة فلان. أي يقوم بها. ومعنى {مَا بِصَاحِبِكُمْ} سبأ 46 يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِّن جِنَّةٍ} سبأ 46 جنون لأنهم قالوا على رسول الله أنه مجنون، وعجيب منهم وهم أعرف الناس به، أنْ يصفوه بالجنون، وهم لم يَرواْ عليه علامة من علامات الجنون، ولم يصنع شيئاً مخالفاً لمجتمعه الذي عاش فيه، بل كانوا قبل البعثة يقولون عنه الصادق الأمين، فكما ظهر كذبهم في قولهم ساحر، كذلك ظهر كذبهم في قولهم مجنون. ولو خَلاَ الواحد منهم إلى نفسه، ثم تفكَّر في شخص رسول الله لوصل بنفسه إلى الحق، ولو أدار في عقله هذه الاتهامات لوجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ منها، وما دام منفرداً في هذا التفكُّر، فلن يخجل أبداً أنْ يعود إلى الحق لأنه لن ينهزم أمام أحد. وقد تناول القرآن الكريم كل افتراءاتهم على رسول الله، وأظهر بطلانها، فقال تعالى
{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}
الحاقة 40 - 42. وقال
{وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}